الشباب الغائب

الشباب في المفهوم السياسي والمجتمعي ليس شباب العمر فحسب، رغم أهمية المرحلة العمرية للإنسان في تحديد مستوى نشاطه وقابليته للتجديد والتطور، أو لنقل إن السن شرط لازم لكنه غير كافٍ بلغة الرياضيات، فكم من شاب في مقتبل العمر لكنه خامل، جامد ومستسلم للبطالة ونقص المعرفة والعزلة عن مجتمعه والعالم، وكم من رجال في (خريف العمر) لكنهم يحيلونه ربيعاً بحيويتهم وقدرتهم على التأقلم مع مظاهر مرحلتهم العمرية وتطويعها لصالح خلق دور إيجابي لهم في الحياة حتى آخر لحظة من العمر.

لكننا نتحدث هنا عن الشباب عمراً، هذه الفئة الممتلئة حيوية وحماساً والتي لا تحتاج سوى إلى إتاحة المجال لها للدخول في ميدان إعادة الإعمار ورسم وجه أجمل لسورية بعد الحرب الكارثية.

تتزاحم المؤتمرات والملتقيات وورشات العمل والمسابقات التي تركز على دور الشباب في مرحلة إعادة الإعمار، التي يؤمل لها أن تبدأ قريباً بعد أن تضع الحرب أوزارها ويشق الحل السلمي طريقه بين سحب الدخان ورائحة الموت.

من الأسكوا إلى الوزارات والهيئات والشركات العامة والخاصة، المحلية والدولية، يهيئ كبار العالم والمستثمرون ورجال المال والأعمال حقائبهم لأخذ حصة من كعكة إعادة الإعمار التي تقدر تكاليفها بـ350 مليار دولار.

لكن ما يميز نشاطات الحكومة والجهات المحلية الرسمية من منظمات ونقابات هو مراوحتها في إطار البروتوكول والشعار أكثر من دخولها في عمق المسألة، واقتراح الحلول والإجراءات العملية من أجل إتاحة المجال للأجيال الجديدة لممارسة دورها في إعادة الإعمار، فيما تقوم الجهات الدولية والأهلية خارج البلاد بوضع مخططات هندسية وإدارية ومجتمعية لسورية ما بعد الحرب، وترسم استراتيجيات وتكتيكات الدخول إلى السوق السورية الواعدة بعد الحرب.

قبل الحرب تردد الحديث كثيراً عن تأسيس وزارة للشباب والرياضة على حساب المنظمات التي تحتكر العمل في أوساط الشباب (اتحاد الشبيبة واتحاد الطلبة والاتحاد الرياضي) في توجه لتخفيف حدة الإيديولوجيا في العمل الشبابي وتغليب الجانب العملي والمهني في مسألة التعامل مع الشباب، لكنه بقي في إطار الطروحات والتمنيات، وما إن اندلعت الحرب حتى خفتت الأصوات بعد أن طغت الأيديولوجيا وساد الاستقطاب الحاد فئات المجتمع السوري والشباب منه خصوصاً، فصار دور تلك المنظمات الشبابية هو محاولة حشد الشباب ضمن الاستقطاب الحاصل (نظام ـ معارضة)، أو (مؤيدون.ـ معارضون)!

أدّعي أن وجود وزارة للشباب هو أجدى وأنفع للشباب من هذه المنظمات التي تبتعد كثيراً عن الهموم الحقيقية للشباب لحساب تغليب السياسة والأيديولوجيا، بشرط ألا تكون مرهونة بالبيروقراطية والجمود الذي يميّز العمل الإداري ضمن الجهات الرسمية رغم كل ما يقال عن التنمية الإدارية وتخفيف الروتين والبيروقراطية.

وهو يوفر تكاليف هائلة تنفقها ثلاث منظمات وعشرات الهيئات والجمعيات الرسمية وشبه الرسمية، باتجاه أكثر جدوى وضبطاً، ويقونن المسألة باتجاه وضع طاقات الشباب في خدمة إعادة الإعمار، بشرط ترك المجال واسعاً أمام المجتمع الأهلي للنشاط في أوساط الشباب وتنظيمهم للمساهمة في المعركة القادمة والتي تُعتبر مفصلاً مهمّاً في تاريخ سورية.

هذا الأمر يتعلق بشكل مباشر بالديمقراطية المجتمعية والسياسية وهو ما يجب أن يوفره الحل السياسي القادم.

إن وجود الشباب ودورهم في إعادة الإعمار ضروري ومهم كون الشباب يتميزون باستنباط الحلول العلمية والعصرية دون الارتباط بنماذج ورؤى جامدة ومحنّطة، إضافة إلى تأثيرهم في حال أتيح لهم في إنجاز المطلوب بسرعة وجودة وحيوية هي الميّزة الأهم للشباب.

الأمر منوط بمفردات الحل السياسي، والتشكيل السياسي والاجتماعي الذي ستتمخض عنه الحوارات والمؤتمرات واللقاءات.

والخطر، كل الخطر أن يغيَّب الشباب أو يستمر تغييبهم عن هذا الأمر المهم والذي سيرسم وجه سورية المستقبل، فهل سينتبه أولو الأمر إلى هذه المسألة؟!

العدد 1196 - 29/04/2026