سامي أحمد والتجربة الشعرية في «شبّه لي»

ديوان (شبه لي) هو المجموعة الشعرية الخامسة للشاعر سامي أحمد، والصادرة عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر. وقد جاءت المجموعة في ثلاث وثمانين صفحة، وكتب هذا الديوان على نمط القصيدة الحرة، قصيدة النثر، التي تحررت من قيود التفعيلة والقافية.

وعنوان المجموعة هو أول مايلفت انتباه القارئ حين يمسك الديوان، والعنوان هو مفتاح لمعنى يقول شيئاً مما يقوله الشعر،فهو إعلان يهز بعنف القارئ، محركاً الضوء الساطع أمام عينيه، وجاء العنوان موحياً ودالاً على حالات متعددة يعيشها الإنسان في وقتنا الحاضر وداخلاً في نسيج الديوان الشعري فهو يعني التشويق والإيحاء. ويأتي الشعر عند سامي أحمد ليقول العمق المشترك بين الناس، ويفجر المعنى، ويقيم شعرية التضاد من خلال التعبير عن العلاقات التي تحكم الوجود. فالعالم قائم  على علاقات قوامها التماثل والتشابه، وأخرى قوامها التباين والاختلاف. والتضاد هو شكل من أشكال الاختلاف وهو المبدأ الناظم للوجود، والفكر ويمكّن الشاعر من القبض على ظواهر الوجود والتضاد الذي يقوم على علاقات الكلمة ضمن النص يشكل عنصراً من عناصر الشعرية التي تجمع بين المبدع والمتلقي، كما يقول محمد خليل الخلايلة في بنية اللغة الشعرية عند الهذليين. ولنقرأ ما يقوله سامي أحمد: (المرأة التي صافحتها منذ أسبوع /نسيت فيها أصابعي الخمسة /امرأة:تركت نارها مشتعلة /في قبضتها /وتركتُ شهوتها واقفة كثلج)

وقد يكون التكرار منبعاً مهماً من منابع الشعرية حين يتحول إلى قانون جمالي يحكم النص، فيتحول من مستوى العلاقة الجزئية إلى مستوى العلاقة الكلية، سواء أكان تكراراً لعنصر لغوي، أو تكراراً لبنية نحوية. وتكرير الشيء يراد منه التوكيد، ومن شأن التكرار أن يخلق إيقاعاً داخلياً، والحق أن التكرار مبدأ أساسي في تتبع الظواهر الشعرية فالعنصر لا يعد شعرياً مالم يتواتر ظهوره في النص، ولذا فقد عُد الأسلوب كما يقول جوزيف ميشال شرين في دليل الدراسات الأسلوبية: (مجموعة التكرارات والمفارقات الخاصة بنص من النصوص)، ونلحظ كثافة في التكرارات في معظم نصوص سامي أحمد حتى إن النص استمد عنوانه من هذا التكرار:

 لِمَ عليّ أن أقول للظلام / أن يعترف لي / بأشيائه وأقفاصه ومناماته/ وسادة للسديم؟

لم عليّ أن أحمل في داخلي / كل هذه اللّذات / التي لا تتكلم، لاتفكر، لا ترفض /لا ترقص.

كما نقرأ في نصه مقاطع شعرية أقرب بإيقاعها الموسيقي للتوازنات اللفظية فيها من خلال تكرار لفظة (كلّنا) ضمن مسافات صوتيه قصيرة. ويلعب الشاعر على التوازنات طباقاً وجناساً، ويتفنن وهو يساوق النغم في تشكيل تكراراته:

(وحياتنا كتب تصدأ /كلما مر الحبر عليها تنام / كلما جرّب الماء إيقاظها / وتصحو/ كلما أيقظتها عضلات اللغة كلما صحونا،/ ينأى فكرنا،/ على حذاء لرسم الطريق.)

ونلحظ تجانس التراكيب من خلال التعالق أو الربط الدلالي بين العلامات كمنطق المشابهة من خلال إجراء المقابلة بين القديس والقواد  في النص الذي يحمل عنوان (له): (حياة /لا فرق فيها /بين قديس وقوّاد / بين شاعر وغابة).

فالمقابلة واضحة مفهومة، فالقديس يمثل الطهر وكل ماهو خيِّر في نظر الناس، والآخر يمثل العهر وكل ماهو شر في نظر الناس. لكن الشاعر لا يفرق بينهما، فهو لا يعطي القداسة للأول، ولا يحكم على الآخر بشر مطلق. أما المقابلة بين الشاعر والغابة فتبدو مقابلة غير مفهومة أو واضحة وتدفع القارئ إلى  الاجتهاد في تفسير هذا التطابق، وينتج عنها تأويلات بين قارئ وآخر. والنص الذي يحمل عنوان (له) جاء ليبرز إشكالية الدين من خلال كتابة النص بضمير يعود إلى لفظ الجلالة، ليظهر حالة الشك بالمعتقدات الدينية والتعبير بلفظ الجلالة بالضمير، مع أن الضمير لم يذكر، وإعادة الضمير على غائب غير مذ كور لها دلالة في حالة نكران، ولدى الشاعر قناعة بأن الدين لا يحل مشاكل الحياة:

(لو كنت مؤمناً به لاسترحت / ونمت بلا كوابيس / ورميت مصائبي إليه / يوم كنت أومن به /كنت مزهواً بنفسي /متسكعاً/ لا شأن له به الآن/سكير وسطحي / إلى حد الحيلة).

وتظهر النزعة الإنسانية لدى الشاعر سامي أحمد في إيقاظ الجوهر الأعلى في الإنسان بواسطة تحريره الكامل من الحزن واليأس والخوف والعبودية، وتمرده على مستعبديه ومستغليه، ورفض الدماء والقتال. فهو يعيش لأنه لا يحب القتل:

 (أعيش / لأنني لا أحب القتل /ولأنني أستطيع أن أموت / في كل لحظة).

 ويقول أيضاً: (أعشق الحياة باستمرار /أكتب بحبرها /وأرسم وجهي على ملامحها/ بتجويدٍ أصم، بكحولٍ أكثر / ألوك أحلامي بهدوء /قبل أن أصحو).

وتنطوي الشخصية المعذبه للشاعر في النص الذي يحمل عنوان (شبُاك الطفولة) حيث يظهر الحس الحكائي أو القص في شعره، ويظهر مشاهد معذبة في حياته، ليجد حريته بالهروب من سعال أبيه وشتم أمه لحبيبها لأنه يصحو. فهو الطفل الذي مارس حريته بالعري على أسطح المدرسة التي أحبها، ومن شُباك أهله تعلم السقوط والحب والشطرنج وتعلم منه ما لا يعلم من العشق والرعي على الطرقات:

 (أنا المتهم بسرقة الكرز والخوخ ولا أعرف طعمها / أنا الواقف على قدم واحدة متهم بالجري أمام العدائين / قدمي مكسورة بالركض والجص).

نحن في هذا المقطع أمام بناء متناقض، فالتناقض من سمات الفن، والملمح الأساسي في هذا النص يدل على حياة الفقر والبؤس التي عاشها الشاعر، والإحساس بالاغتراب الاجتماعي والروحي والمكاني:

(عالم مقلوبُ / وليل يدخل عليّ / مثل فانوس أصم / ليل ليس فيه / إلا فانوس مكسور).

ويعطي سامي أحمد الموت دلالة نفسية، والمعانات التي يعيشها الإنسان هي حالات من الموت المتكرر لكنه موت نفسي، وهذا مفهوم من النص لأن الموت الجسدي لا يمكن أن يتكرر، ويحدث مرة واحدة:

(أعيش / لأنني لا أحب القتل / ولأنني أستطيع أن أموت في كل لحظة).

ونلمس نداء الذات في التعبير الصادق عن الحياة وعن أحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها أحاسيس أكثر من أفراد المجتمع. وتوظيف ضمير المتكلم في شعر سامي أحمد دليل على قوة حضور الذات في اختراق القصيدة، فهو يعيش حصاراً مضاعفاً في المجتمع والثقافة. وفي النص الذي يحمل عنوان (رصد) نجد الدلالات تفرض ذاتها على مستوى القراءة أو التلقي، فتدفع القارئ دفعاً إلى الكشف عنها فنباح الكلاب يعود إلى غريزة القطيع:

(كلما نبح كلب،/ نبحت كلاب / دونما سبب).

ويحقق التشاكل مبدأ (العلاقات) أو مبدأ التركيب، الربط الدلالي بين العلاقات كمنطق المشابهة أو تجانس في التراكيب، من حيث الأساليب والتعابير في الشكل أو من حيث المعنى أو الدلالة (المضمون) في النص الذي عنوانه (لها) حيث نقف عند تجانس الوحدات وتحديد ثنائيات متشاكلة متجانسة وكأن الشاعر يخضع لدورة تدريب على فن الصمت والصبر:

(أشد فمي إلى قدميكِ/ لأُعلِّم لساني / فن الصمت / أشد قدمي إلى سريركِ / لأعلِّم حذائي الأنتظار، على الباب).

 إن مقولة الحضور والغياب من سمات نصوص الشاعر حيث تصبح كل وحدة أشبه ب (أيقونة) يرتبط بدلالة غائبة ، تفسح مجالاً واسعاً أمام تفسير النص وتأويله. وفي النص الذي يحمل عنوان (جرس) تظهر الأيقونة البصرية التي تدل على صيغة إخبارية وتقترب من التصوير الفتوغرافي، والذي  لا يهتم بتفسير وتغير ما ينقله، بقدر ما يهتم بعكسه وعرضه:

 (في قلب الشيخ / أبحث عن تدفق دم طفل / في قلبي مازلت أبحث عن مريول طفولتي / أيها البعيد / لا ترمِ بجسدك / على صفحة الأفق).

وظف سامي أحمد المثل الشعبي المعكوس والإرجاع في نصوصه كمايشير، والاقتباس والتلميح  إلى حضور نص سابق في النص الحالي:

(أليس الذي لا يأتي / خير من الذي يأتي متأخراً) (يسألونك عن الموت / قل:علمه عند القاتل / يسألونك عن القاتل / قل إن شانئك هو الأبتر).

 وجاءت الصور الشعرية جديدة تتصف بالعمق والانزياح والإبداع لتضيف جمالاً على جمال نصوص المجموعة ومعظم هذه الصور صور حسية وذهنية ومنها:

(أمد نجوم الليل فوق فلكي / وأمحو ظلامها في النعاس). وكقوله (عصفوران ينامان تحت الوسادة / نهداك المائلان في العراء / ينقران الزجاج / يستلقيان على رصيف بلا تردد).

إن مايلفت في هذه النصوص تلك الكثافة التي تميز لغته بجمل مكثفة، فتصبح لغته عبارة عن منمنمات. كل جملة وكل مقطع تشكل قصيدة قائمة بذاتها، وتصبح البلاغة في شعره وسيلة لتراكم صور، كل ذلك عبر الإيقاعات الصوتيه وبلاغة الجملة الشعرية.

العدد 1196 - 29/04/2026