تنفّس اصطناعي بصيف حكومي خانق!
سلمى، تلك المرأة الجميلة التي أنهكتها سنوات الحرب، مازالت تقف بوجهها صامدة تحمل كل يوم مناديلها التي حاكتها في الليل وتذهب إلى مكانها في السوق لتبيعها، لكن عاصفة الحرب التي أفقدت كل شيء لونه أجبرت سلمى على مشاركة مناديلها الحريرية الناعمة بعض الخضار وبعض المونة التي تصنعها في بيتها الريفي الصغير.. تجلس سلمى على حافة ذاك الشارع مع بعض النسوة اللواتي ازداد عددهن هذا العام إلى الضعفين أو أكثر، وتحاول كل منهن أن تجذب الزبائن لبضاعتها بطريقتها البسيطة الخاصة، لكن ابتسامة سلمى تخفي وراءها أحزاناً وكآبة كالليالي الصيفية التي يعيشها السوريون تحت وطأة القهر والألم ووجع لا ينتهي وهموم حاكتها صنارة سلمى التي غسلتها دموع روحها المتوجعة تجعل بضاعتها أكثر إقبالاً.
تلك الابتسامة ستار، فهي ابتسامة كل مواطن سوري غارق بهمومه وأوجاعه التي خلفتها معاناة يومية يعيشها بلا كهرباء.. بلا ماء.. بلا خدمات.. وبأسعار أشعلتها سياسة التقشف الحكومية بحقه.. لتمضي أيام تموز كئيبة حزينة غابت عن لياليها بهجة سهرات الصيف الذي أحرق أوراق التقويم بحرّه الشديد، وأكملت الحكومة أية الصيف بصيف أكثر حرارة وقساوة، فتجعل الظلام الحالك عنوان لياليه بغياب الكهرباء لساعات طويلة جداً، وفتحت بورصة التصريحات من جديد سوقها المتضارب بالمفردات التي ضجت بها صفحات التواصل الاجتماعي بين تناقض وفكاهة، ولكن السؤال هنا: هل يعتدي الإرهاب المسلح كل يوم على خطوط الغاز، كما صرحت وزارة الكهرباء، أم الفيول مفقود كما صرحت وزارة النفط السورية؟ تضيع الإجابة الصحيحة في هامش صفحات الحكومة، ولكن هل خبر صفقة المراوح ومولدات الكهرباء صحيح، أم غير صحيح كما يشاع؟ سؤال يحتاج للبحث أكثر في أزقة الشارات التجارية وفواصلها التي تنفذ أبجديتها الاحتكارية، ويمضي تموز في أسبوعه الأخير لتصل بتاريخ 23 تموز إلى مرفأ طرطوس ناقلة نفط خام و5 محولات كهربائية من الصين، وساء وضع الكهرباء أكثر، والسبب حسب بورصة التصريحات الحكومية اعتداءات إرهابية جديدة على خطوط الغاز في المنطقة الوسطى، والمواطن يلتقط أنفاسه الأخيرة. وائل قال لـ(النور) في جولتها الميدانية للاطلاع على رأي الشارع السوري حول انقطاع الكهرباء: بتنا لا نعرف أين الحقيقة، كلّ يتكلم بشيء يناقض الآخر، والكهرباء لا تأتي في اليوم 6 ساعات هذا في الساحل، فكيف في مناطق أخرى؟!
أما ريم فطرحت سؤالاً: إلى متى يستمر وضع الكهرباء هكذا؟ لقد خنقتنا موجة الحر، وفي منطقة مصياف قال لنا بعض المواطنين بأن الكهرباء لا تكاد تأتي نصف ساعة كل 5 ساعات حتى تنقطع مرة أخرى، ووضع الكهرباء في منطقة مصياف وريفها منذ سنتين غير مستقر وغير مضبوط بساعات تقنين، مطالبين بحل المشكلة.
أما يونس أحمد، وهو مهندس كهرباء فقال لنا: إن كانت الوزارة غير قادرة على وضع معالجة لقطاع الكهرباء ومشاكله، هناك خبرات كثيرة في البلد يمكن الاستعانة بها لمعالجة واقع الكهرباء السيئ جداً حسب الواقع المعاش.
لم يكن واقع الكهرباء الوحيد الذي شكل معاناة حقيقية للمواطن السوري، بل شاركته المياه بجعل الحياة أكثر ألماً وسوداوية.. فواقع المياه أكثر سوءاً من واقع الكهرباء وكأنهما يتحديان أحدهما الآخر بسباق ماراثوني طويل للدخول في مجموعة غينس للأرقام القياسية، ولكن حسب رأي المواطن السوري سجل سوء قطاع المياه وانقطاعها لأيام في سورية رقماً قياسياً لم يسجله أي مكان آخر.
وبجولة رصدت فيها (النور) آراء المواطنين في الساحل السوري، قالت لنا ميسون: ما يحدث لا يصدقه العقل.. نحن نعيش في اللاذقية والمياه لا تأتي لساعات طويلة.. ويمكن أن لا تأتي أبداً.
أما سعيد فقال: بتنا نسهر حتى الصباح ننتظر أن تأتي المياه، ولا نعرف ما سبب هذا القطع والتقنين الحاصل، رغم أن هذا العام شهد أمطاراً لم يشهدها عام آخر.
فيروز قالت معلقة: هناك تقصير بالخدمات التي يحتاجها المواطن يومياً ولا يستطيع الاستغناء عنها مثل الماء والكهرباء، فلماذا هذا الإهمال؟ حتى اليوم لم نفهم، هل أعلنت الحكومة الحرب على المواطن، أم ماذا؟
وكان للسيدة رباب رأيها فقالت: لقد شبعنا تبريرات وتصريحات وكلاماً في الهواء، نحن نريد أبسط حقوقنا في العيش، ولا نستطيع الاستغناء عن الماء.. نحن نعيش في الساحل ونعاني من واقع المياه السيئ، فكيف يعيش المواطن في مناطق أخرى؟!
هذا كان رأي بعض من التقيناهم في جولتنا الميدانية للاطلاع على واقع مواطن يعاني في حصوله على أبسط خدمات معيشته، ولم يكن وضع السوق والأسعار بأفضل. فقد شهد الأسبوع الأخير لتموز ارتفاعاً كبيراً في الأسعار، وخاصة في أسعار الفروج الذي سجل سعر الكيلو بين 800 و850 ليرة سورية، وأجزاؤه سجلت التالي: الفخذ تراوح سعر الكيلو بين 750 و850 ليرة سورية، والشرحات ،1650 والسفن بعظمه 1200 ليرة سورية، أما الجوانح فقد سجلت 850 ليرة سورية، والسودة 1400 ليرة سورية، وقد عزا مدير منشأة دواجن اللاذقية سبب ارتفاع الفروج إلى انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، مما أدى إلى خسائر كبيرة وصلت إلى نصف مليون ليرة في اليوم الواحد.
وبسؤالنا لباعة الفروج: لماذا حجم الفروج صغير جداً، ولماذا سعره مرتفع ومازال يسجل ارتفاعاً كبورصة الدولار؟ قالوا لنا بأنه لا يوجد فروج في السوق، وهناك طلب على المادة، وبات تأمينها معاناة كبيرة، لذلك يرتفع سعرها، متوقعين أن يصل سعر كيلو الفروج إلى 1000 ليرة سورية إن بقي الوضع هكذا، بسبب قلة العرض وكثرة الطلب، ليصدر اتحاد غرف الصناعة قراراً باستيراد الفروج المجمد حسب المواصفات والمقاييس الصحية السورية.
ولم يكن الفروج هو الوحيد الذي ارتفع خلال الأيام العشرة الأخيرة من تموز، فقد التحق الخيار بالقافلة، ويسجل أرقاماً قياسية جديدة وهو بعز موسمه، فقد سجل سعر الكيلو في أسواق الساحل 140 ليرة سورية، وفي أسواق حماة التي تعتبر منتجة له سجل سعر الكيلو 125 ليرة سورية.. ولم تكن أسعار باقي المواد كسابق عهدها بل سجلت ارتفاعات طفيفة مع اقتراب شهر آب ووعود الحكومة مازالت وعوداً تتقلب على جمر صيفها الخانق، وتلك النسوة الكادحات يتنقلن كفراشات مقاومات لهيب الحريق ليؤمن لقمة عيش لأطفالهن الذين لم ترحمهم حرارة صيفنا الحكومي.
يمضي اليوم معلناً المساء الذي لم يعد سوى زفرات وتنهيدات مؤلمة، تحمل سلمى ما تبقى من يومها لتعود مع خيوط حكايات جديدة لتحيكها في سهرتها منديلاً جديداً على ضوء شمعة ترسم خيط أمل لغد يمكن أن يحمل معه سلاماً وأماناً.