ثقافات بلدية!!
لا أقصد بالثقافة هنا ذاك المفهوم التقليدي المشتمل على أنواع الأدب والفنون والعلوم وسواها، فمعاذ الله أن يبلغ بي الاستخفاف بمشاعر الناس مبلغ التطرق إلى مثل هذا الشأن المثير للأشجان والأحزان، الداعي للإحباط، إنما أعني الثقافة بمفهومها المتعارف عليه كعقلية ونمط تفكير موجّه للسلوك الاجتماعي، من قبيل ماندعوه ثقافة الحوار وثقافة المواطنة على سبيل المثال، وقد كثر الحديث، مع دخولنا عصر ثورة الاتصالات عن الثقافات السلبية الطارئة الدخيلة على مجتمعنا كثقافة العنف وثقافة الاستهلاك وسواها، مما يندرج تحت عنوان (الغزو الثقافي والفكري)، وأسهب المتحدثون في توصيف تلك الثقافات وذمّها والتحذير من تبعات التأثر بها والخضوع لها، وجلّ ذلك حق، فللمتحدثين بهذا الشأن من المعطيات والوقائع مايبرر شكوكهم وسوء ظنونهم وحتى اتهاماتهم، ولكن.. بموازاة الحديث عن الثقافات السلبية العابرة للقارات، ماذا عن ثقافاتنا السلبية الأصيلة الراسخة في وعينا رسوخ الجبال، تلك الثقافات التي لا شبهة في أصالتها و(عراقتها) واختصاصنا بها، إذ لا سبيل إلى إلصاقها بغزو ثقافي أو فكري،ثقافاتنا (البلدية) التي قد تبدو للوهلة الأولى غير ذات شأن أو تأثير يعتد به مقارنة بنظيراتها (المستوردة)، نمارس بعضها بحكم العادة لا أكثر، ونتبنى بعضها الآخر على سبيل التقليد، ونعتنق بعضها أحياناً عرفاً لا يجوز المساس به. ماذا عن مثل هذه الثقافات وتبعاتها على مجتمعنا بصرف النظر عن ماهية هذه ال (نا) الدالة على الجماعة لغةً، وسواء قصدنا بها ذاك الإطار العام المتعارف على تسميته بالمجتمع الشرقي أم تدرجنا بدلالتها نزولاً إلى أضيق حلقات هذا المجتمع؟
وقاموس يومياتنا يعجّ بالأمثلة التي يمكن ضربها في هذا السياق من قبيل ثقافة (حطّ بالخرج) وثقافة (طنّش تعش) وسواها، مما يستغنى بشهرته عن ذكره أو شرحه، ولكن ثمة نماذج من هذه الثقافات ذات أهمية خاصة يفترض بنا التوقف عندها والنظر إلى عمق تجذرها في وعينا الجمعي من جهة، وعمق دلالاتها من جهة أخرى.
ولأنَّ المثال ملح الكلام، فإليكم يا سادة يا كرام تشكيلة من ثقافاتنا البلدية الأصيلة، وأبدؤكم بثقافة (خْطَيّ) الذائعة الصيت التي نمارسها إزاء انتهاكات البعض لحقوقنا، ولسان حال كل منا يقول بدافع من شفقة في غير محلها على من لا يتورع عن انتهاك القوانين وتجاوز الأنظمة ليلاً نهاراً: (خلّيها تطلع من غيري)! والنتيجة دائماً هي تمادي هؤلاء في تجاوزاتهم دون رادع أو حسيب، ويوميات كل مواطن عادي تعجّ بالأمثلة الشديدة الواقعية في هذا الصدد، تبدأ بعدم تقيّد بعض سائقي السرافيس بالتعرفة الرسمية، ولا تنتهي بتلاعب جلّ التجار بالأسعار وفقاً لأهوائهم وبما يتناسب طرداً مع تداولات بورصة وول ستريت، أما الطامة الكبرى فهي أنه حتى عندما يحدث أن يمارس أحد المواطنين (الشجعان) حقه المشروع في الشكوى، فقد لا يعدم هذا المشتكي (الشرير) من ينظر إليه شزراً هامساً : ياحرام عليه… محرزة منشان كم ليرة ؟! قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق!!
وأثنّيكم بثقافة أخرى غير بعيدة عن شقيقتها الآنفة الذكر، مختزلة بكلمة ظاهرها حكمة وباطنها شهادة زور.. إنها ثقافة (يصطفلوا) الشهيرة التي غالباً ماتردف بلازمة (مادخلنا) بكل ما تنطوي عليه هذه العبارة من معاني السلب واللامبالاة الغنية عن الشرح والتوصيف، والطريف أن هذه الثقافة بلغت حداً من الشيوع وجدت معه مؤخراً من ينقلها من الشوارع والأزقة إلى أروقة السياسة الدولية بعد تفصيحها لتتبدى بأبشع نقيض للحكمة الشهيرة: (أُكِلت يوم أُكِل الثور الأبيض).
أما ثالثة الأثافي فتلك الثقافة التي لاجدال في امتلاكنا براءة اختراعها دون منازع، وإن لم تحظَ بشهرة سابقتيها عنواناً إلا أنها فاقتهما ممارسة، إنها ثقافة (بجيبها الدهّان) المتفشية في شتى مناحي حياتنا وعلى كل مستويات العمل، المؤسساتي منه والفردي وما بينهما على حد سواء، كلمة (بجيبها) هنا تأتي بمعنى يتكفّل بها، والمعنى مأخوذ طبعاً من أوساط صنعة البناء والإكساء، وقاكم الله شرّ الوقوع في براثن تجارها، والمعروف أن ورشة الدهان هي آخر ورشة تدخل المبنى المشاد حديثاً، ويالتالي فهي الورشة الوحيدة التي لا يمكنها الاتكال على ورشة تالية لترقيع العيوب بخلاف سواها من الورش كالمعمار والطيان، من هنا جاء معزى العبارة الجارية مجرى المثل.
وكان الله في عون الدهان… والثور الأبيض… والمواطن الشجاع!