الشخصية العنكبوتية.. أو الوصولية..!

كشفت الأزمة التي تعصف بالمنطقة عامة وفي سورية خاصة، عن أشياء كثيرة يمكن للكاتب والمتابع أن يحبّر مئات الصفحات عن السلوك الباطني للشخصية العنكبوتية أو الوصولية – الانتهازية.. السلوك الذي تمظهر وانكشف أمام الآخرين بأشكال مختلفة وتلوّنَ كالحرباء.. واتخذت هذه الشخصية مراكز لها في الحياة الثقافية والأدبية، مستغلة جميع الفرص التي تسنح لها البروز على حساب الآخر.. وهذا ما أبحث عنه في هذه الزاوية..!

لقد أجمع باحثون ومتخصصون في علم نفس الشخصية الوصولية، أنها شخصية ساقطة تتلذذ بالتفرقة بين هذا الشخص وذاك.. بين هذا الكاتب وذاك، وبين الأب وابنه والأم وابنتها.. وبين الجار وأخيه الجار وهكذا… للوصول إلى الهدف، وتحقيق المنفعة والأنانية المفرطة بالرداءة والدناءة.

قال الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري في قصيدة بعنوان (عبادة الشر)، سأكتفي بهذا المقطع الذي يحمل دلالة الموضوع..

دع الزّهدَ للعاجزِ القَعْدَدِ

وما اسطعتَ من مَغْنمٍ فازدَدِ

وصلّ على سائرِ الموبقاتِ

صلاةَ المحالفِ للمسجدِ

وما اسطعتَ فاقْطعْ يدَ المُعْتَدى

عليه، وقبّلْ يدَ المعتدي

ومن الدلائل المثبَّتة في تجارب الحياة والبشر من مجموع التنوّع المتعايش في بيئات متنوعة ومختلفة، تبيّن أن الفئة المثقفة هي مصدر هام من مصادر بروز الانتهازية وظهورها في محطات تطور الوطن، أو حين يتعرض لهزَّات سياسية واجتماعية.. وبشكل خاص، أن المثقف في الوسط المتخلف غالباً ما يستغل دوره في بيئته الصغيرة والوسط الثقافي والأدبي الأوسع، وظهور اسمه في صحف ودوريات، ووقوفه على المنابر متنقّلاً من منطقة إلى أخرى وبين المراكز الثقافية، وذلك لتحقيق مآربه الشخصية والمنافع الذاتية، وهو يبدي عدم اكتراثه بمن يصفه بالوصولي والانتهازي، كالعنكبوت يعشش في الأمكنة المعتمة ويمارس سياسة التخريب. ولا يعني هذا أن الثقافة هي التي تصنع أو تُصنّع المثقف الوصولي وتعبّد له طريق الانتهازية وتفرشه بالسجاد، بل هي عامل مساعد تفتح له باب الفُرص وتسهّل له الوصول إليه بأقلّ العقبات.. وخصوصاً لمن تتوفر فيه الروح الانتهازية والقدرة على الطبطبة والرَّبت على الأكتاف.

الوصوليون وما أكثرهم في سورية خاصة من الذين دخلوا مراعي (الربيع العربي)، ومن أصحاب الأصوات الخافتة ومن الذين يزيتون حلوقهم ويرفعون نبراتهم في الغرف المغلقة.. لكنهم في أوقات الجدّ تظهر على وجوههم الصفراء ابتسامات ممزوجة بالسمّ ومغرقة في الرجعية والانتهازية الرمادية .. وقد جُرِّب أمثال هؤلاء كثيراً في ميادين العمل الثقافي وفي اعتلاء المناصب الثقافية خلال العقود الماضية، فأباحوا لأنفسهم استخدام جميع الوسائل لإعلاء أعلى المراكز في المؤسسات الثقافية وإن كان على حساب الآخرين.  وكانوا يُظْهرون من الطيبة القدر الكبير والاحترام أيضاً بدرجة تجعلنا نثق بهم ونوجه الأنظار إليهم . وقد خصص القرآن الكريم سورة خاصة بهم وهي سورة (المنافقون)، وهم يعملون تحت شعارات: (الغاية تبرر الوسيلة) و (التقويل والاستغياب). ويقتصر دورهم على استغياب الآخرين وطعنهم في ظهورهم لاستمالة ضعاف النفوس إليهم.

وفي الوسط الأدبي والثقافي في سورية وفي أرفع المؤسسات الثقافية، لم يعد سرّاً الإشارة إلى هؤلاء المتساقطين من شجرة الثقافة الذين يزاودون باسم الوطن والغيرة عليه، ويبشرون بالديمقراطية السوداء والحرية الملوثة بوسخ الدولار .. فهم يشكلون خطراً كبيراً على مستقبل الثقافة الوطنية التقدمية.. وخطرهم لا يقل عن خطر الأعداء في الخارج والداخل بل يتفوّق عليه أحياناً.

إن الشخصية العنكبوتية هي شخصية وصولية انتهازية خطيرة، وهي من أخطر فيروسات تفتيت المبادئ الإنسانية وتمزيق علاقات الإخاء بين الناس، لكونها تستحوذ على قاموس التملّق والنفاق الاجتماعي.

العدد 1195 - 23/04/2026