«مشغول عليك مشغول»..
كان لمّاحاً، وكانت ذكية..
عاد من مشواره اليومي المعتاد لشراء الصحف، تتقاذفه الحيرة، إثر مصادفته تلك الصبية (ذات العينين)..
عينان ، حطّتا فجأة عليه، رفعتاه برموشهما وطارتا به (لوراء وراء الأزمان)، إلى بدايات مراهقته. إذ كان صبيّاً متشابباً (من الشباب) والدنيا على رحابتها، لا تتسع لفرحة لقائه بوليفته (أم العيون الخضر)..
لشدّ ما كانت عينا تلك الصبيّة – التي صالبته في الشارع، ثم غابت في الزحام – تشبهان عينيّ وليفته!
عينان، كأن اخضرارهما، آتٍ من مزيج شهد النحل مع خضيب ورق الليمون..
عينان.. بل بحيرتان من صفاء.. ووعدٍ.. وإغراء!
-1-
كان لمّاحاً، وكانت ذكية..
كان لا يشكو تحسّساً مزمناً بالجمال، حدَّ المرض..
وكانت لا يضيرها جمال تفاحها المفرط، حدّ التحرّش..
-2-
كان شديد الحيرة والحزن. فقد عاد من السوق بهاجس وجريدة..
هاجس مصير وليفةٍ، انقطعت أخبارها، منذ اغتصاب وزواج وسفر.. وجريدة وطنٍ، أُنهكت قواه، منذ فساد وخيانة وتآمر، فتأزم وتفاقم، ولوّن القتلُ بالدمع والدم، عيونَ نسائه.
-3-
أجل، كان شديد الحيرة..
وكانت دقيقة الملاحظة..
سألته:
– ما الذي يحيّرك؟
– لا أدري مِنْ أين (تُقبّلُ) الكتف!
أجابها مبتسماً، هارباً من كابوس هاجسه وفَتنِ عينيها إلى إغواء تفاحة كتفها الخارجة على الأسلاف والأعراف والأوراق.
– من الجهة عينها، التي (تُؤكلُ) منها الشفة!
ردت عليه، تاركة لعينيها، أمر إعادة نظراته الزائغة، إلى بيت طاعةِ سوادهما.. فيما كان لون واحد من التفكير، يشغله ويملأ عليه شاشتي همّه وعزمه، هو:
كيف لنا، أن نُعمل أقصى عقلنا، ونبذل قصارى جهدنا، كي نعيد لسورية والسوريات، أمّاً وابنةً، أُختاً وزميلةً، صديقة وحبيبةً، اطمئنان قلوبهن ورائق لون عيونهن!