لكي تكتب بيتاً واحداً!
واحدة من تلك المفارقات التي يعيشها الكتاب ومنهم الشعراء، على وجه الخصوص، هي أنهم من أجل قصيدة واحدة، يكتبون عشرات القصائد، ويطاردون أخيلتهم في براري اللغة، علّهم يعثرون على جملة ما بعينها تصبح هي عين القصيدة كحياتنا تماماً، قدر أن نعيشها لكن بوساطة حيوات كثيرة، ورحلات متعددة كي نصل إلى مرفأ واحد هو الذات.
إذن لنعش عمراً واحداً تُرى كم (ميل أخضر) سوف نعبره، وفي الذاكرة ذلك الفيلم البهي الذي يحمل هذا العنوان.
وعليه يمكن القياس لكي تكتب رواية واحدة وربما لترسم لوحة واحدة وهكذا يصبح التواتر سمة لازمة كي نجد ما يحدد علامتنا، فمثلاً كم من الشوارع ستقطعها كي تصل بيتك، وكم من البيوت ستعبر إلى بيتك تماماً كما هي الكتابة في لحظات صحوها، كيف تنتهي إلى جملة يظل كاتبها يهجس بها طيلة عمره الإبداعي، يخاتل هنا ويناور هناك، ويشي في غير مكان بما يريده وما لا يريده.
لكي تكتب بيتاً واحداً، لكي تكون فكرتك مجمّع أفكار قد ساورتك طويلاً عليك أن تعثر على التفاصيل وما أشقّها لأنها ستلد تفاصيل جديدة، لكن حقاً علينا ونحن في لحظة العبور إلى كل مرئياتنا الأخرى المصفاة من لزوميات لا لزوم لها، كالقول بالقصيدة الصافية وموازاة بالعمر الواحد وصولاً إلى البيت الواحد، أو ربما الكلمة الواحدة.
لكن الشاعر الألماني (ريلكه) يقول لكي تكتب بيتاً واحداً من الشعر لابد أن تشاهد مدناً وأقواماً وأشياء كثيرة، لابد أن تحس بطيران العصافير وبركة الأزهار وهي تتفتح في الصباح…… وفي اللحظة التي تتحول تلك الذكريات فينا إلى دم ونظرة وحركة، وفي اللحظة التي تفقد فيها أسماءها ولا تستطيع أن تنفصل عنها، وفي تلك اللحظة لا غير يحدث أن تنبجس متفردة ومن أعماق تلك الذكريات أول كلمة لبيت شعري، عليك أن تتجاوز كل ذلك وتكتب بيتاً واحداً فقط.
من أجل هذا البيت ومن أجل أشياء أخرى قد تشبه سعينا الدائم للفرادة والتميز نستهلك من اللغة الكثير من طاقاتها، لكننا في السخرية مثلاً نذهب إلى أن الضحك قدر لا راد له، وليس تبسيط ذلك أن مئة نكتة نمر بها كي نضحك على واحدة، قد غدا العمر أشبه بذلك لا تضحكك سوى نكتة واحدة حتى لو أعيدت عشرات المرات وبطرق مختلفة وعلى لسان شخصيات مختلفة، وفي أمكنة وأزمنة مختلفة، ولعلنا في إثر الكلمة الأخيرة التي لم تُقل بعد، ربما كانت هاجس البشر (وهم يثرثرون) في مدونات كثيرة ليجدوها، وهم من يبحث عنها طويلاً في متاهات اللاوعي، وفي غابات الخيال التي لا تنفعنا نزهات فيها الآن، ليس لاحتراق أشجارها وشح مائها وهجرة طيورها بحثاً عن بقعة جديدة في العالم وهي التي عاشت آلاف الحيوات لتحيا حياة واحدة.
لا تختار أين تكون ولا كيف تكون، لا سيما وهي تعبر مساحات ليست لها وأراض بعيدة كالخيال تماماً.
فمن أجل كلمة واحدة فقط يصبح فائض الكلام ترفاً، كما فائض الحياة حلماً، كما فائض الضحك اختناقاً يكاد يودي بالقلب ليموت ضاحكاً!
كانت العرب قبل ريلكه وأزمنته تقول عليك إذا أردت أن تكون شاعراً أن تحفظ آلاف الأبيات وتنساها، ليأتي ريلكه ويقول من أجل بيت واحد من الشعر…… سوف ننسى الكثير مما تعلمناه وعرفناه وعليه تصبح ذاكرة في مهب النسيان لتبدأ ذاكرة جديدة لا شأن لها بكل الذكريات المعجونة بالأسى من أجل ذاكرة واحدة تصبح صوت البشر وصورتهم الأخرى.