العنوان ولعبته المضللة

إن عنوان كتاب ما ينبغي أن يعطي فكرة عن مضمونه، وإذا لم يؤدِّ هذه المهمة فإن هذا العنوان يعد نوعاً من الإيهام أو التضليل، وهذا ما يحصل كثيراً بالنسبة إلى عناوين الكتب الأدبية التي تضم أعمالاً إبداعية (شعر -رواية – قصة -نقد..). فقد أمسى اختيار العنوان لأي كتاب ينطوي على حيلة أدبية أو فنية تذهب بعيداً عن المهمة التي يفترض بالعنوان أن يؤديها.

بتتبُّع بسيط للإصدارات الحديثة يستطيع المرء أن يلاحظ أن التفنن في اختيار العنوان الذي أصبح مصدر شك للقارئ، وقد جعل هذا العنوان كتابه ينأى بعيداً عن معناه الأصلي.

لكن هل يمكن لعنوان كتاب من الكتب أن يدل على باطنه، أي على موضوعه أو مضمونه؟

هذا ممكن بالنسبة إلى كتب الأدب والاستثناء الأساسي في هذا المجال هو كتب الشعر.فليس من السهل أن يختصر مضمون كتاب شعري في عنوان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قصيدة واحدة، فكيف إذا تعلق الأمر بمجموعة من القصائد؟! وأظن أن أسلافنا قد تنبهوا إلى هذا الأمر، فلم يعمدوا إلى وضع عناوين لا للقصائد ولا للدواوين.لذا نجد أن الدواوين القديمة سميت بأسماء أصحابها مثل ديوان البحتري، ديوان أبي النواس، وطبعاً لا يخلو الأمر من استثناءات مثل سقط الزند لأبي العلاء المعري، ولزوم ما لا يلزم للمعري أيضاً، وهو عنوان مجموعة كبيرة من القصائد التزم فيها الشاعر من ناحية الأوزان والقوافي، وإن كان يستطيع برأيي ألا يلتزم بكل ذلك، ولا أدري من أطلق هذا العنوان على هذا الكتاب أهو الشاعر أم من اهتم بشعره من الدارسين أو الشارحين؟!

بعض القصائد القليلة جداً عرفت بأسماء معينة، كي لا نقول بعناوين، مثل لامية العرب.. لامية العجم، وهي أسماء لا تدل على مواضيع أو مضامين وإنما تتحدث عن حادثة معينة أو ظاهرة أو قضية ارتبطت بها هذه القصيدة أو تلك.

إذن لم تحتج القصيدة قديماً إلى عنوان إلا أن الاهتمام بإعطاء عناوين للأعمال الشعرية ظهر مع بدايات عصر النهضة وبلغ أوجه في مرحلة الشعر الحديث إلى حد التفنن، فالشاعر راح يبحث عن الغرابة والطرافة في العنوان، وقد يكون العنوان بعيداً كل البعد عن مضمون القصيدة، فمهمة العنوان باتت تنحصر في أحايين كثيرة في إحداث صدمة ما أو خلق دهشة في زمن لم يعد فيه ما يصدم أو يدهش، فمن شأن العنوان أن يعمل على جذب القارئ أو جذب المعني بالبحث عن الجديد في مجال الشعر، لا إعطاء فكرة واضحة عن مضمون العمل الشعري.

إذا كانت العناوين الحديثة مركبة من أسماء أو صفات مثل (أنشودة المطر) أو (الناي والريح) فإن العناوين اللاحقة دخلتها عناصر جديدة، فلم تعد مقتصرة على الأسماء، وإنما صار من الممكن أن يكون العنوان جملة فعلية مثل (يساورني الشك أنهم ماتوا عطاشى) أخذت العناوين مع الزمن تفقد تلك الرصانة التي كانت لها منذ البداية، وأخذت تتحول إلى صيغ قائمة بذاتها، فليس لها أن تكون أسماء لمسميات معينة، أصبح بالإمكان أن يكون العنوان حرفاً مثلاً (لن) لأنسي الحاج أو فعلاً مثل (ليكن) لهدى حسين.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن العناوين لفترة قريبة لم تستطع أن تخرج من سوداويتها، وهذا يعود إلى أن الشعر العربي كان حزيناً وسوداوياً، فجرد بسيط لعناوين المجموعات الشعرية الصادرة منذ خمسينات القرن الماضي حتى فترة قريبة إذا لم نقل حتى الآن، سوف يحيلنا إلى كآبة وسوداوية تشير بطريقة ما إلى يسمى شعرية اليأس… شعرية التأفف والقنوط.

العنوان أصبح ضرورياً للقصيدة أو لمجموعة شعرية على الأقل.الشعراء أرادوا له أن يكون ضرورياً وإن كان لا يستطيع أن يكون مطابقاً لمعناه القاموسي. بتعبير أدق نستطيع القول إن العنوان بات ملازماً للقصيدة أو لمجموعة من القصائد، وقد شاع لدى شعراء الحداثة العرب أن يضع الواحد منهم لديوانه عنوان إحدى القصائد الموجودة في الديوان.

اختيار العنوان قد يكون نوعاً من المكابدة أو المعاناة، وقد يأخذ بالشاعر التردد مأخذاً كبيراً وقد يختار بين عناوين كثيرة لكل منها فضاؤه لدى الشاعر، أو هي عناوين لقصائد داخل الديوان.

كل ذلك لأن الشاعر بات متأكداً أو معتقداً، وهذا الأهم، أن العنوان هو عامل إثارة وجذب إلى القصيدة أو الكاتب إضافة إلى أنه وكما لا يخفى ما أعطته الدراسات الألسنية من مفاهيم جديدة للعنوان من كونه أحد أهم عتبات قراءة النص بما يوحي به أو يثيره في المتلقي

العدد 1194 - 15/04/2026