من المفترض… ولكن!

كثيراً ما أعود بذاكرتي إلى مرحلة الستينيات، ودائماً.. أستحضر تلك الفترة، لأنها، ربما بتصوري، وتصور الأجيال المعايشة لتلك المرحلة الزاهية في حياتنا، سنظل.. نحن عشاق تلك المرحلة الباهية، أو وارثو ذكرياتها، ولحظاتها العامرة بالجد، والكفاح، والآمال المجيدة، سنظل ننظر إلى حالة استثنائية، مرت في حياتنا، ولن تتكرر أبداً، لأنها فعلاً لم تتكرر حتى يومنا هذا، على اختلاف الصعد كافة، وخاصة على صعيد الفعل الثقافي، المقصود هنا بذاته، وطبيعته، ومكوّناته المهمة والمتعددة.. حيث الساحة الثقافية آنذاك خلايا نحل جادة الحركة، والحيوية، والوعي، والتفكير المعرفي، والنشاطات الملازمة لهذا التحرك الجمعي إلى حيث سكة الحياة تتجه إلى مسار الرؤية الجادة… باتجاه الغد (الأمل) والفعل الطموح.. بمستقبل مشرق ومجيد، عشنا على تعميقه في وجداننا، وأجيالنا، وأفكارنا، ليكون إحدى محطات الحياة الدافعة إلى محطات متعاقبة، ومتتالية.. هي محطات الاستقرار، والبناء، والصروح التي تمنيناها في خيالاتنا، وتصوراتنا ووجداناتنا التي ذهبت للبعيد البعيد، ثم حامت حول دائرة تلك الفترة الذهبية، ولا تزال تحوم هناك ضمن تلك الدائرة المتوهجة بلائق محتواها، وقيمتها، وقيمها، وسلوكياتها الفذة، لأن ما كان بعدها غائم وفوضوي وعبثي لم يثبت على محور.

هذا كله يتمحور حول موضوع الثقافة وما يدور في فلكها بين آنذاك واليوم، مسافة شاسعة من المتاهات لم تقارب بيننا وبين الماضي، وما كان.. لا من قريب ولا من بعيد لأن المقاربة تكمن في صلات وصل بين الماضي والحاضر والمستقبل ضمن تكامل الحلقات بتعاقبها وتسلسلها ضمن حدود فعل قائم على تصورات وافتراضيات، ورؤى واحدة الاتجاه والقيمة والمصير، والمثال الذي نورده هنا هو قيمة الموضوع كله فيما نذهب إليه، في هذه المقالة، ونخص به ما كان في الستينيات من وحدة الثقافة والرؤية ونشاطات تلك المرحلة على مستوى الكينونة المعرفية المتكاملة في فروع الأدب كافة.. شعراً، ورواية، وفناً، ومسرحاً، وموسيقا! مراكز ثقافية، ندوات، محاضرات، مسرح، جامعات، منتديات، كما ذكرنا خلايا نحل تبث الحياة على امتداد وطن مترامي الأطراف مساحة ومسافة، ولكنه في حيوية الحياة الثقافية، قيم متكاملة تصب جميعها في خزان من أقطار العروبة كافة! والآن، اختصاراً: فجاراتنا الجامعات، لا علاقة لها بجاراتها المراكز الثقافية، ولا علاقة لها بالأدباء والشعراء، والأمسيات والفعاليات، واتحاد الكتاب الجار الأقرب، والوصية تمتد إلى الجار السبعين، في طفرة الدخول إلى عوالم المستحيل واللامعقول، ورغم كل شيء ففي ظرف راهن ومؤقت تعيشه الأمة، ويعيشه الوطن، فمن اللائق والمفروض، أن تتضامن القوى كلها ضمن إطار فعل خلاق واحد وفاء للأرض والمجد والدم، وما يتفرع من تلك الأقانيم الثلاثة الخالدة من مسميات: ويا ليت جامعة دمشق العريقة تجمعنا اليوم على هبة ثورية لائقة.. ثم تبدأ المسيرة.

العدد 1195 - 23/04/2026