ما بعـد عاصفة… الغبار!

 الغبار الذي ملأ ذاكرة الشوارع والطرقات والنوافذ وأعالي الأشجار وغمر البيوت والبشر والحجر أشبه (بغورنيكا)  وما كان شأن العاصفة التليدة سوى أن تنحت البشر على هيئتها، بشر متعبون يواسون قلقهم ويومياتهم الراكضة إلى نهايات هي أشبه بالبدايات، يتنفسون الغبار ويهشون عن وجوههم ذراته العنيدة ويغلقون أفواههم خشية أن يملأ حلوقهم، لكن البعض ذهب إلى مجاز الغبار ليطمئن إلى أن ما يحدث خارجاً هو صورة عن غبار من نوع آخر ولعلها بتلك الرمزية الفادحة قد ذهبت بنا إلى أزمنة (غبارية) عادت لتشكل إنسانها الجديد كأنها تنحته وتطلقه في فضاء غير معلوم، ومجاز الغبار هذا والذي كثيراً ما جهرت به مدونات الأدب، أصبح أكثر من حقيقة تُقال ونذهب إلى تأويلاتها الجميلة والمثيرة في آن معاً ليسأل المرء من يعبرون الطريق خفافاً وثقالاً مساءكم بلا غبار كما صباحكم، بل كل أوقاتكم وأنتم تتنفسون هواء أصبح يُعد عليكم وأنتم من كنتم تعدون على الهواء أنفاسه!.

وهكذا أصبح ناس الغبار بدلاً من غبار الناس، وهواجسهم الغبارية بامتياز هي من تقيس عليهم خطواتهم إلى المجهول كما هي المدن الغارقة في الغبار بما يشبه النسيان المؤقت، المحجوبة بغلالة كثيفة من ذرات طائشة بلا جدوى سيريالية التشكيلات على الوجوه والأجساد الموشومة بتعبها النهاري وأرقها الليلي.

لا نذهب إلى محض أزمنة غبارية مستعادة أو في إثر عاصفة تذهب أو لا تذهب، وما تُبقيه من أثر على من تقطعت أنفاسهم واحتاجوا إلى هواء نظيف ليظلوا في إثر الحياة ذاتها، بل نسائل الغبار ذاته وهو يقصي ملامحنا ليشكلها من جديد على هيئته، ماذا تحمل في حقائبك الموزعة على الجهات؟ فكم من عابر في مواسمك وأنت تأتي في الخريف لتبدل كل ملامحه؟ فلا ماء كما هو أيلول الذي كان يشي بالماء مأثرة (الذنب المبلول)، ويبقى الكلام من يغسل ما تبقى من غبار الأزمنة علها تذهب بعيداً وإلى أمكنة أُخرى لتنجلي العاصفة؟ عن مشاهد أُخرى ويُرفع الستار عن تراجيديا أُخرى لا حاجة إلى الغبار أن يظللها ويموهها، تراجيديا أطفال الشوارع أو بضع عائلات يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وربما بالقرب منهم ثمة لوحة تعلن جملتها الملتبسة قليلاً في اللغة والإيحاء: (عيشها غير)؟!.

وكأن (العيش غير) هو مع نقائض ذلك العيش ومفارقاته ومكابداته المتواترة في مقابل ما أسماه البعض بغضب الطبيعة أو تقلب مزاجها، وهو مزاج خاسر بامتياز، خاسر لمن وقع عليهم، تلك هي حظوظهم الدنيوية أن يقارعوا كثافة غبار في الذاكرة قبل أن يستوي على الأرض، وفي طرائده الكثيرة ذهبت محكيات الغبار لتؤلف خيالاتها وتتصل بما يشبه رؤيا بما حدث، ثمة امرأة قالت لجيرانها: كأنه يوم القيامة أو أقل بقليل حينما لم ترَ أصابعها وسط كثافته المعلنة، وقالت امرأة أخرى هو (التدريب على الرعب)  أما النجاة فهي وهم من ركب البحر وكابد أمواجه العاتية، أو ذهب في شاحنة لحوم علّه يصل إلى الضفاف الأخرى، أما من واجهوا الغبار بالقدرة على التنفس من جديد فهم يعيشون الحياة مصادفات وضرورات، هم الناجون من متخيل الغبار وهو يلوّن أزمنتهم، بما لم يستطع مجازهم أن يتصوره، أو أن يحيط به، لكن ثمة شمس شحيحة الضوء تبدد قليلاً تلك الكثافة الغبارية حتى يستطيع  الناس المرور في أزمنتهم ليتموا دورة الحياة، وما شأن الغبار في التواتر وفي الضيافة الثقيلة على بشر متعبين بما يكفي أن يذهب وقتهم غباراً، وما شأنهم هم في تعليل أزمنتهم في شكل الهروب منها أماماً أو خلفاً، أما الغباريون فلا مواسم لهم ولعل أقدارهم فقط هي من تذهب بهم إلى ما يشبه النهايات المحتومة.

العدد 1195 - 23/04/2026