الصيني يانغ ليان وسؤال الشعر القاسي… قراءة في مجموعته »حيث يتوقف البحر«
أسئلة المبدع جارحة وخيباته موجعة، وأسئلة الشاعر قاسية لأنها دائمة التناسل في عالم سريع التغير، متعدد الثقافات والتجاوب، وتواجه فيه الشاعر تحديات الجمع بين التقاليد الإبداعية المحلية والانفتاح على الآخر وعلى الحداثة بتلاوينها التي تثير جدلاً واسعاً، وكيف إذا كانت تواجه مبدعاً صينياً يحاول إزاحة الكوابح أمام حركة الإبداع الموارة.
الشاعر الصيني يانغ ليان أحد ممثلي الشعر الصيني احديث، ولد في سويسرا عام 1955 لأبوين دبلوماسيين، ثم عادت الأسرة إلى بكين، وبدأ ليان كتابة الشعر عام 1976 وأصبح واحداً من مجموعة (شعراء الضباب)، سافر إلى بلدان كثيرة، وأصدر إحدى عشرة مجموعة شعرية من عناوينها: (يي)، و(دوائر متراكزة) و(بلا طابع) و(حيث يتوقف البحر)، والمجموعة الأخيرة، رشحتها جمعية المترجمين عام 1999كي تكون كتاب العام، وقد ترجمتها إلى العربية حذام الودغيري المغربية المقيمة في إيطاليا، مستعينة بمترجمي النص الصيني إلى الإنكليزية والإيطالية برايان هولتن وكلاوديان بوزانا، وبصديقها أدونيس، الذي قدم للمجموعة، وهو جهد في الترجمة جدير بالتأمل.
رأى أدونيس أن يانغ ليان صوت شعري صيني له فرادته، واضاف: (لم يقل: إنه منفي، ولم يتوسل لغة المنفى مثل كثيرين غيره من الشعراء والفنانين، لأنه يدرك أن الخلاق في العالم منفي حتى في وطنه الأصلي، ويكمن سر تأكيده الدائم على أن العالم الذي نعيش فيه يعاني أزمة في الفكر أشد خطراً من أزماته الاقتصادية والسياسية) – المقدمة ص 8.
وقدم الشاعر لقصائد المجموعة بتوضيحات لتجربته، وعنوانها (العالمي في المحلي) أضاء فيها الذكريات والأماكن والرحلات التي أسهمت في إبداعه، وفي مجموعته هذه بالتحديد، التي كتبت قصائدها عامي 1992 1993 بين نيويورك ولندن وإيسلندا وسدني، وضمت 57 قصيدة. وقد صدرت مؤخراً عن دار التكوين بدمشق عام 2014.
تزدحم في القصائد الأسئلة الشعرية القاسية، وتشتبك الدوائر، والقدرة على الركض ضرورية للشاعر كي يلحق الموجات المتراكضة والسماوات المتنقلة والبشر التائهين والشعراء المحاصرين، والليالي التي تموت مرتين.
توزعت القصائد على خمس دوائر هي: ظلمات بيت كالظلال السماء تنتقل رمانات ممنوعة حيث يتوقف البحر وكل دائرة تضم باقة قصائد.
يشير الشاعر والنقاد الذين قرؤوا شعره أو ترجموه إلى لغاتهم الأصلية أن قصائده تحوي بنية خفية عصية على الفهم، وأن القصيدة لديه تفتح فضاء من طراز موسيقي، وهو يقترح على قارئه قائلاً: عندما يتعذر عليك الفهم، أنصت! ص 30.
في قصائد ليان أيام محطمة، وعويل دم مجهول، وحب ينتحب، ونجوم مسافرة، في قصيدة (ظلمات) نواجه قتامة موجعة يقول فيها:
(الحب الذي ينتحب داخلك يأتي من أجنحة بلون الدم في الهواء/ النهر الذي لا جلد له يؤلم الليل كله/ يتوج بيوم منك أمس الآخرين/ عبر الظلال يخوض العشب حافي القدمين/ لم يبق إلا ما عانيته دوماً في النخاع القاتم/ هذا الأهم البدء من جديد) ص 38.
وفي (بيت كالظلال) مشاهد بصرية أشبه بالكوابيس، حتى الظلال تبدو مرهقة، والعميان يصطفون ويسقطون في الهاوية، يقول:
(ذلك بيتك، بيت لست فيه/ أنت مطلوب كمثل دين الكوابيس/ يتسرب داخلك الظل كسيّدك/ ظلمات مشلولة تنتصب كمثل البروج/ تمحو (النت) الي أكمل حولاً وسيشيخ يوماً/ كما يمحو ضوء القمر المريع هذه الأرض الجوفاء). ص 55-56.
وفي قصيدة (سيرة ذاتية) يحس القارئ فجيعة سوء الفهم، وما لم تتم قراءته، وزمن الركود الممتد الذي يشبه لوحاً حجرياً في مقبرة مظلمة. يقول فيها:
الموت وحده يورث، يسقط الثلج في اللغة/ آب يمتلئ في الأخضر بموتى متورمين/ حين يتزاحم الجميع في جسد واحد تتضاعف الوحدة/ تجعلك تشيخ قبل الأجل/ قصيدة تنام في النسيان تنام في الظل. ص 87.
وفي دائرة (السماء تنتقل) وتضم أربع قصائد، يتحرك كل شيء، ويغدو الزمن نهراً لا يقر له قرار، والكوني يتواشح مع المحلي ويغنيه، يقول في قصيدة (ضفة الزمن): ما اعتقدنا فهمه منذ زمن ضاع منذ زمن/ لا تقدر أن تدير ظهرك للبحر/ لتشهد على وقوفك عند جرف الضفة/ والزمن الذي يتنقل فيه الزمن نحوالدفن/ مثل ظلال مقشورة من جذع تضيئه الشمس الظل موجود وإن لم يوجد أحد. ص 107. وفي دائرة (رمانات ممنوعة) مشاهد بصرية لطيور وزهور تتباهى بموت فوري! ولبياض يتعانق مع خيط من دخان الصبح محاولاً أن يقبض عليه، ومحنة شاعر لم يستطع أن يكمل قصيدته، ونقتطف منها: إنها قصيدة لم تكتمل/ عمودياً على الورقة، كتبها شاهد قبر/ الدم مسمّر في سلم تجمدت أقدامه/ يتنقل في حشود تتسابق لشراء التعفن/ ليست المرة الأخيرة أنت لم تسقط بعد على الورقة. ص 114.
قصيدة (حيث يتوقف البحر) الأطول في المجموعة، وقد حملت اسمها، ضمت أربعة مقاطع عن تحولات الزرقة وجنون (الشعراء، والرتابة التي تقرب من الهاوية، والمراسي المكسورة والصخور الحمراء والأسنان الصدئة، وعن الزمن المشلول والوجه المملح، وعن اللغة (التي لا تعرف الزمن الماضي)، وعن البحر الحاد يبيدك في (الأنت) الراهن، وعن التهرؤ والاستلاب، وعن البحر المنزلق في فراغ القصيدة، وعن شاطئ إبحار الشاعر ص 155 174 ونقتطف منها: الرتابة وتكرار الرتابة جريمة/ من عاش وحيداً عند حافة الجرف كان أقرب إلى الهاوية من الحافة/ سحقتك آلاف الأطنان من الصخور الزرقاء/ هذا الزمن الذي ينظر إلى الأيام ومن الأيام يتعرى/ شبق صفيق للموتى، ص 157.
يانغ ليان شاعر طموح، أوصل إبداعه إلى العالمية. وهو القادم من أقاصي حضارة الشرق، دفع اللغة الصينية العنيدة إلى أقاصيها. وأثبت أن التجربة الداخلية للشاعر الصيني هي أن يتحاور مع الوجود، وأن يبحث عن تخوم الظلمات داخل النفس، ص ،27 ورأى أن مقولة جيمس جويس عن المنفى تنطبق على شعره، إذ قال جويس: من لم يذق طعم المنفى لن يتمكن أبداً من فهم أعمالي.
وأدرك مبكراً قدرة الفن على التغيير: أنت تقرأ وكأنك لم تقرأ شيئاً/ وحده الفن يرجّ ظهيرة ويردها سوداء. ص 82.
وأدرك أن الأيام تنزع أقنعة الأيام وتملأ السماء نوايا قاتلة – ص 137.
قسم ليان أعماله إلى ثلاث محطات هي: مخطوطات صينية، ومخطوطات المحيط الهادي الجنوبي، ومخطوطات أوربية، ولعل مجموعة (حيث يتوقف البحر) قد مثلت لحظات الانعطاف القاسية صوب المنفى، وصوب الأسئلة المرهقة، وقد أهدى قصيدة بعنوان (لك الذي يطرح الأسئلة) إلى الشاعر الصيني كوي وان من القرن الخامس قبل الميلاد، وصاحب قصيدة (أسئلة سماوية) والمتخصص في الأسئلة الشعرية القاسية، ومناسبة قصيدته هي نيله جائزة الشعر الدولية (فلايانو) في إيطاليا عام 1999.
ويواصل ليان رحلة الكتابة والتسؤال، ومحاولة تقوية دعائم الجسر المعلق بين حضارتين، ويكتشف المفارقات الغريبة، وينقد الجمود والهيمنة، ويصطاد الجديد والعميق في الأسلوب والمشهدية البصرية غير المألوفة والصادمة. وهو يرى في المعرفة قدرة على التغيير، لكنه اكتشف في الاعتراف بعدم المعرفة قوة أكثر تأثيراً وتفاعلاً مع ما يحيط بنا.
يانغ ليان شاعر مفتون بموسيقا اللغة، وبالبحر وامتداده وعنفه وحركته، وبخضرة إبر الصنوبر المستأجرة/ التي تجعل العداء موجوداً/ وبالشفق الذي يبتكر الجنون/ وبالسؤال عن الليل الذي مات مرتين: هل بقي له بصيص أمل؟ وهو سؤال ضمته قصيدة (سؤال بريخت الأخير)، وجمال الشعر أن يستمر في طرح الأسئلة.