الطـريق إلى أمي

 حين اتصلت بي كانت كل الأمور تزيد التوتر تواتراً، من بداية هذا النهار كل ما يفضي إلي بأمر يتعثر دون أن أحصل على مرادي، ومع هذا تركت كل الأشياء وجهزت حقيبة يدي وكتبي التي ترافقني، وبدا الطريق إليها طويلاً طويلاً.

أمي، بسبب وضعها الصحي كان كل ما يجري حولها غريباً، هي تعرف شوارع دمشق في عام 1970 وتتغنى باتساعها وهدوء أحيائها، صحيح أن حرب تشرين الأول عاشتها بكل تفاصيلها، لكن كان الإخوة مجتمعين، يداً بيد لتبقى راية وطن بكل دوله مرفوعة .

لم يكن الحال التي وصلنا إليها من ازدحام على الحواجز أو التنقل بصعوبة بين مناطق الشام الأم قد نال من جسد والدتي، ولا تعلم أي معاناة نعانيها في التنقل بين المدن والأحياء .

آه يا أمي لو تدرين كيف أصبحت الشام غريبة الأطوار، في كل لحظة هي تكون بحالة وفي كل حالة يكون لديها شيء جديد.

 كيف لو طفت الآن بين شوارعها، ولاحظت انتشار الجدران الأسمنتية القصيرة، هذه الجدران كنا نراها فقط على طريق السفر تفصل طريق الذهاب والإياب .

كل هذا راودني وأنا مازلت أجلس في مقعدي، أتمسك بأغراضي كأن شيئاً ما يهرب مني، لا أفهم ما هو، لكن توتري بادٍ عليّ في كل تصرفاتي وجلستي، الواقفون في الحافلة أكثر من الجالسين والازدحام ينبئ عن أن الرحلة طويلة .

هذه البلدة الوادعة كنا نزورها صغاراً، ونتمتع برائحة التراب وكل رياحين الريف الجميلة، أما اليوم  فاكتست لباساً جديداً، لباساً فصّل من صخر وتراب ونار.

نعم فالحر الشديد  يذكرني بصحراء لم أزرها بعد، بل درست  طبيعتها في كتب المناخ، لم يتغير كل شيء؟؟ وماسبب هذا التغير؟ ماهذه الحرب الجديدة التي نعيشها ؟حتى المناخ بات يتلاعب بنا وغدا ابنا عاقاً، كيف لا؟ وأنت التي كنت تتباهين بأجمل طبيعة وألطف هواء، لم أتخيل يوما رئة هذا العالم تصبح ملوثة،

لم أكن يوماً أشعر بالحر، كان فصل الصيف لي هو عبارة عن عشرة أيام فقط، وهي أيام الحر الشديد الذي يحتاجه التين والعنب ليكون على الموائد شهياً. أي كارثة تنتظرنا؟ الأرض، السماء الماء، حتى هذا الثالوث بات غريباً عني.. الأرض تزيد في تجاعيدها، هرمت رغم صباها الأزلي، والسماء اكتست بلون الأرض وكأنهما لبستا ثوباً واحداً، أما الماء فجرى بشرايينها وأيضاً أخذ تربة الأرض لوناً له.كل ما حولي أصفر مغبر، هل بتنا في القارة الصفراء دون أن نشعر ؟كان هذا الحديث بيني وبين نفسي، التي أسألها ولا تجيب، حتى نفسي باتت تعاندني، والزمن تجاوز الساعة والربع، ومازال أمامي أربعة حواجز ونقاط تفتيش، ثم أسير في طريق طويلة توصلني إلى هدفي، المكان مزدحم بكل الأشياء، بالحافلات، بالمارة، بالبائعين، بعناصر الجيش وحتى بالغبار، بعد ذلك وصلت إلى المكان الذي أبتغيه هنا ترجلت من الحافلة ووقفت أنظر في الفضاء وأمامي كأن الجو خلا من الأكسجين ومن كل نسمة تنعش، أي اختناق؟ هذا أي جهنم نعيشها ونحن لا ندر؟!

قبل أن أتوجه إلى منزل والدتي، التفتّ للحظة كي أبتاع بعض الحاجيات وآخذها معي، لكني فقدت اتزاني وسقطت أرضاً، للحظة ما أحسست بأن الأرض هي التي التصقت بي، وأن السماء اندمجت بالأرض وباتت الأرض سماء والسماء أرضاً. 

لحسن حظي كان الشارع مزدحماً، هنا أسرعت فتاتان باتجاهي وعرضتا المساعدة، وقبل أن أقدم لهما الشكر كانت دموعي تسبقني إلى الكمامة التي غطت أنفي لأحمي رئتي من مناخ مريض.

كل ما كنت أحمله وقع أرضاً وزادت الدموع في عيني، زاد قهري قهًراً. لا أعلم من أين أتيت بكل هذا البكاء حين أخذت الأرض بطولي، شاهدت الأطفال يتراكضون في المخيمات، والنسوة يقفن عند البوابات ينتظرن حفنة مساعدات ، المسافة بيني وبين من رحلوا اختصرها غبار يعتصر الكون ويخنق  المسافة والزمن. من أين أتت كل تلك الصور أمامي، كانت النسوة تجر أبناءها. كل مافي هذا الكون ظالم ،أليس من العدل أن يوزع الظلم بين البشر بالتساوي؟ حتى يكون ميزان هذا الكون صادقاً أو ينحو باتجاه العدل؟ وأنا على الأرض كنت أشعر بغربة قاسية فرائحة الأرض حلت محلها رائحة أخرى، حرارتها قاهرة بقساوة الألم الذي أعانيه، تلك الدقائق التي عانقت بها الأرض، بالنسبة لي دهر، ومع كل هذا حملت آلامي وأنا أستزيد الدموع حتى بدا لي الأمر ليس عادياً،كل هذه الدموع التي انهمرت كأنها تحاكي وجعاً دفيناً غار داخلي ذات حلم، بعد أن وقفت استجمع بعض قوتي ونظفت هندامي ورميت كل ماعلق عليها، لكنها هدّتني من ثقلها.

هاأنا يا أمي أتابع السير باتجاهك، لكن الغربة التي انتشرت حولي حولتني إلى امرأة الاغتراب، فالطريق جداً مظلمة والأشواك اعتمرت قلبي. أتصدقين يا أمي اليوم شعرت بأن الزقاق الذي كنا نجتازه قد سرق منا، ولم تشفع لنا خطواتنا بين باب سريجة ودمشق القديمة والملعب البلدي وحجارة الحميدية،وحضن بردى يهدهدنا بسريره،ويعيدنا لنقطة البداية،آه يا أمي لم تشفع حرقة أقدامنا من أن نخسر طريق الأمان بين قلوب دافئة ووردة تتكئ على كتفينا، تداعبنا فتمحو غربتنا! آه يا أمي، الطريق التي أسلكها يملؤها الدم والحديد وصرخات الأطفال ودموع النساء وقهر الرجال، فآه ياأمي.

آااااااااه يأمي أتسمعين أنين الأشياء فيها؟! أنين حجارتها وشوارعها ومناداتها لنا

العدد 1194 - 15/04/2026