حديث الأشجار

 بعد أن نفد صبر الأشجار المنتشرة في حقولنا، قالت شجرة لقريناتها: هل غاب عن أسماعكنّ مثلي دبيب خطوات صاحبنا الفلاح وعربدة جرّاره وشعاع عينيه الذي كان يداعب كياننا بحنان الأب والصاحب؟!

لقد اشتقت إليه وإلى حواراته.. لقد حُرمنا من عطاءاتنا السنوية له التي كنا نسعد بتقديمها رداً للجميل، وصارت ثمارنا تتراكم على ظهورنا إلى أن تتساقط تباعاً على الأرض، وبصوت واحد قالت الأشجار: نحن قلقون جداً ولا ندري ما يدور حولنا. تهامسن جميعاً وقلن: تعالوا نسترق السمع للأصوات المحمولة على أجنحة النسيم صباح مساء.. صيف شتاء، عسى أن نجد ضالتنا.

قاطعت الجميع شجرة وهي تصيح: أنا أسمع صوتاً من بعيد منذ حين ولم أتمكن من معرفة ما يحمل من أخبار.. تعالوا نتعاون جميعاً لعلنا نسمع أدق نبرات الصوت وأخفضها، ونجمعها عسانا نصل المبتغى.. مرت الأيام والمحيط حولنا كسجن حراسته مشددة إلى أن ميزوا صوت شجرة بعيدة تندب صديقاً.. ألم تسمعوا ما حل بصديقنا الأصلع الذي شوت الشمس بشرة وجهه..؟ يا حسرتي لم يرغب مغادرتنا وكأنه يخاف أن تغادر المكان خلسة! يا ويلتاه! لقد سُلّمت جثته إلى أهله مقطوعة الرأس دون أن يُعرف الغريم! فتدخلت شجرة أخرى وقالت: كذلك صديقنا الذي كنا نقايضه حباً بحب وثمراً بجهد، لقد خُطف عندما ابتعد قليلاً عن أهله وغابت أخباره ولم يُعثر إلا على بعض أمتعته، ويقال إن مصيره مجهول.. قالت ثالثة: وذلك الشاب المفتول العضلات أيضاً ذو الوجه المشع حيوية ونشاطاً الذي جاء يزورنا خلسة، كان خلفه من يتبعه إلى أن حانت فرصة الشر، فكان ضحية المصيدة، وقد سلّم إلى أهله جثة بعد دفع فدية، لكن رأسه بقي في بئر الأسرار. وأتى صوت شجرة أخرى بعجالة، وقالت: مهلاً! ألم تسمعوا بالشاب الذي قصد زيارتنا فاعترضته عبوة ناسفة كان قد زرعها الأشرار وحولت جثته إلى أشلاء متناثرة بيننا؟! ومن البعيد البعيد جاء صوت أجش لشجرة معمرة: ألم تسمعوا صوت القرابة من بني جلدتنا؟ إن الطاعون قد حل بالجميع ووصل إلى أوراقنا وأغصاننا التي تأكلها ألسنة النيران بفعل فاعل وتأكل بعضاً منا.. فلنفعل شيئاً لإيقاف الطاعون! هكذا صار همس الأغصان المرعوبة بالنار.. علينا أن نظلل أصحابنا أكثر ونقدم ثماراً أكبر ونتكاتف بالدعاء أن يجدوا الوسيلة التي تخلصهم من هذا الوباء.. تعالت الأصوات الحزينة، اشتقنا للأصحاب، للزوار، للضيوف.. نريد خلع ثوب الحزن عنا لنجدد عزمنا على متابعة التبادل.. نريد نظرات دافئة وألحان أقدام حنونة وعربدة جرّار لا يقلقنا وماء يعطي دفقاً لعروق الحياة فينا.. نقدم ثمراً سنوياً بفرح وطيب خاطر وظلالاً تهشم أشعة الصيف، ومنظراً جذاباً للأصدقاء وملاذاً لكل الطيور وجوقة تغريدها الطروب.

العدد 1194 - 15/04/2026