مناورات «رعد الشمال»..السعودية: أنا هنا!
على مدى عقود سادت حقبة من المهادنة بين المملكة العربية السعودية ودول المشرق المحيطة بها. غير أن هذا الظرف تغيّر كلياً بعد انتصار الثورة الإيرانية عام ،1979 فقد نشأت مصلحة مشتركة لكل من السعودية والولايات المتحدة في ضرورة خلق مثلث استراتيجي يحيط بالمملكة خاص بها يحميها من تداعيات هذه الثورة، رؤوسه جمهوريات سورية والعراق واليمن.
ومن أجل نجاح هذه الاستراتيجية سعى إلى استقدام الغزو الفكري والثقافي على هذا المثلث، عبر ثنائية (الدين-الديكتاتورية)، التي من خلالها جري العمل على نشر الأيديولوجيا الدينية المضادة للتغيير والحداثة، تحايثها أنظمة سياسية تغطّي هذه الإيديولوجيا وتوافقها، بنشر الفساد واللاعدالة واحتكار الثقافة وقولبتها.
وساهمت سياسة السعودية، المناهضة لأي حركات سياسية يسارية أو اجتماعية تحمل التغيير، وسيطرتها الكبيرة على الإعلام العربي، في تمهيد الأرضية للهيمنة الغربية النهائية على المشرق وشرذمته نهائياً بعد غزو العراق عام ،2003 فقد كانت المملكة العربية السعودية البوابة الأهم سياسياً وإعلامياً ولوجستياً لسقوط بغداد، بوابة حافظت السعودية على استمرار استخدامها بتقنيات فكرية جديدة ضمن نظرية (الفوضى الخلاقة)، وهي تقنيات بناء الجدران الفكرية العازلة، جدران الإثنية والطائفية، جدران كره الآخر عبر الدم والمذابح والقتل والتهجير بين مكونات شعوب المشرق الواحدة، كل ذلك في خدمة هدف واحد أوحد هو حفاظ آل سعود على الحكم المطلق في المملكة.
وعلى الرغم من أن الخلافات في العائلة الحاكمة في السعودية تتعرض لتعتيم شديد ولا تظهر للعلن، وفي الميديا يظهرون كما لو أنهم بجبهة واحدة، إلا أنه في الواقع، وبحسب مقربين من صانعي القرار في المملكة، فإن خلافات بسيطة قد تؤدي إلى نتائج خطيرة، والمناورات الأخيرة التي تجريها المملكة العربية السعودية قد تكون في هذا الإطار. ل
قد عُرِف عن محمد بن سلمان ولي ولي العهد بأنه مهندس حرب اليمن، وهو على ما يبدو ليس على وفاق كبير مع محمد بن نايف ولي العهد المسؤول عن القوى الداخلية السعودية. وكما هو واضح دخلت السعودية في مأزق حقيقي في اليمن، فلا هي تستطيع الخروج مهزومة، ما ينعكس ضرراً كبيراً على دورها ومكانتها الإقليمية، ولاهي قادرة على إنهاء الحرب، على الأقل في المدى المتوسط. من هنا تبدو المناورات التي تجري في شمال السعودية موجهة لدول الإقليم والداخل السعودي تعبيراً عن استمرارية حضور المكانة السعودية رغم تعثرها في اليمن، أكثر من كونه موجهاً إلى ما يحصل في سورية، التي أصبح موضوعها محصوراً بشكل كامل تقريباً بيد روسيا والولايات المتحدة.
ولم يعد للرياض الدور المحوري فيها، ذلك أن الميليشيات الإسلامية المسلحة التي تدعمها المملكة العربية السعودية لوجستياً وعسكرياً وتحاول في جميع المحافل الدولية تعويمها وإعطائها الصفة (الثورية) والمعتدلة! هي بغالبيتها غير مقتنعة بالحل السياسي، وهي لم ولن تستطيع أن تشكل إطاراً سياسياً موحداً قادراً على مفاوضة الطرف الحكومي، وقادراً على أن ينال ثقة الأطراف الدولية، التي أصبحت أكثر من أي وقت مضى مقتنعة بالحل السياسي في سورية. كما أن موضوع دخول قوات سعودية أو إسلامية مهما كانت جنسيتها أو عددها أو أهدافها إلى الأراضي الأردنية وصولاً إلى الحدود السورية، لا يمكن أن يتحقق بأي شكل من الأشكال دون موافقة الولايات المتحدة. إن المملكة الأردنية الهاشمية وجدت تاريخياً لتكون محكومة بدور وظيفي محدد ودقيق، تعتمده الولايات المتحدة كضابط استراتيجي عند اختلال استقرار المنطقة الشرق الأوسط خلال الأزمات.
المناورات التي تجري حالياً في شمال المملكة العربية السعودية والتي أطلق عليها (رعد الشمال) تعتبر الأضخم في تاريخ الجزيرة العربية. وتمتد المساحة العملياتية لها من شرق المملكة في مدينة حفر الباطن حيث المدينة العسكرية، إلى غربها على الحدود الجنوبية للأردن والساحل الشرقي للبحر الأحمر. وتشارك فيها قوات من 20 دولة أهمها مصر وباكستان اللتان رفضتا سابقاً الدخول عسكرياً ومشاركتهم الرياض في الحرب على اليمن، وسلطنة عمان لأنها عضو في (قوات درع شبه الجزيرة)، إضافة إلى عدد من الدول الصغيرة أو غير المهمة عسكرياً مثل موريشيوس وموريتانيا. وبحسب الصحافة السعودية فإن هذه المناورات التي تجري حالياً هي استعدادات عملياتية ولوجستية لمواجهة أي خطر يمكن أن يشكله (التمدد) الإيراني في العراق، وأيضاً لحماية الأمن المشترك لدول (الإجماع العربي)؟