باسم عبدو.. ستورق ذاكرتي بك

 ليس هناك أشدّ إيلاماً على النفس من أن تتلقى نبأ وفاة صديق عزيز خاصة إذا بقي هذا الصديق سنوات عديدة محافظاً ووفياً على هذه الصداقة كما هو الحال مع الأديب الراحل باسم عبدو الذي ترك في القلب غصّة لا يمكن للكلمات أن تترجمها.. لكنه الموت، هكذا دائماً، يأتي إلينا خلسة ودون أي إنذار يخطف من بيننا من يريد ويمضي تاركاً لنا ألم الفراق ولوعة البعاد.

هذا الصباح مُرّ في فمي تتدحرج الذكرى بين زوايا العتمة وخواطر البوح وتباريح السفر فلا الدمع يكفكف آلام الرحيل ولا الوجع الضارب في أعماق النفس يخفف لوعة الفقد ولا التوقف عند محطات الرفاق يجلب شيئاً من السلوى.

للموت جلال أيها الراحلون ولنا من بعدكم انتظار في محطات قد تطول وقد تقصر وقد ترهق وقد تصفو وقد تُضحك وقد تبكي… الموت يأتينا بلا خوف أو تردد، يختارنا واحداً إثر آخر.. ياربي ها هي ذي الكلمات تتحشرج فأستعيدها من قاع التردد لتبقي على خيط الحياة الممدود.

للموت جلال أيها الراحلون. كما له مرارة وألم وشعور بالغ بالفقد، نحن وحدنا من تمتد بنا الحياة نبكيكم، ونذرف الدمع في وداعكم، ونشيعكم إلى مثواكم الأخير، ونحن لا نكاد نصدق أننا لن نراكم بعد اليوم.

يرحل الأحبة فنبكيهم ولكننا في الحقيقة لا نبكيهم لأنهم رحلوا، بل نبكي أنفسنا لأنهم تركونا وحدنا. إن كل آلامنا ودموعنا وفرقنا وقلقنا لأننا لن نراهم بعد اليوم في دنيانا وقد كانوا بعض سلوانا أو جزءاً من حياتنا أو بقية من رفاقنا… إننا نبكي من أجلنا نحن، لا من أجلهم، لأنهم رحلوا، فلن يشعروا ببكائنا، ولن يستعيدوا شيئاً مما مضى، ولن يكون بمقدورهم أن يصنعوا شيئاً لأنفسهم أو لنا.

نحن إذاً من يجزع لأن الراحلين انطفأت شموعهم في حياتنا ولأن رحيلهم إعلان كبير بأن قطار العمر ماض، والأيام حبلى والقدر محتوم… وللموت جلال أيها الباقون.

لقد أثارت فاجعة رحيل الصديق الأديب باسم عبدو ومفاجأتها غصة في الحلق، وانحساراً لمدد الرفقة الجميلة وانطفاء لومضة نبل إنساني. وإذا اجتمع في المرء النبل وحب الخير وكرامة النفس والوقوف عند الحق فقد ترك الدنيا وهي أحسن مما وجدها… وفي هذا عزاء لنا وأي عزاء. وأشهد الله أن الصديق باسم عبدو قد ترك الدنيا أحسن مما وجدها وإني لأقدّس فيه خصلتين عرفتهما من خلال علاقتي وصداقتي به أقدرهما أيما تقدير: كرامة النفس ونُبل المقصد. لقد رحلت عنّا أيها الصديق الغالي ولن أعترض على قضاء الله وقدره فالنفس ضعيفة والموت قوي.. رحمك الله ياصديقي وكم ستورق ذاكرتي بك..

العدد 1195 - 23/04/2026