حكايات… قُبيل منتصف الليل
لم ينطلق بي سائق (السرفيس) مسرعاً بل انتظر راكباً أو راكبين أو بضعة من ركاب، ليُقلع في سفرته الأخيرة كما يقول، مازحته: لعل البرد منع الناس أو علينا انتظار الساهرين حتى يعودوا إلى بيوتهم، ضحك بصوت عال وبسخرية مرة وهو يردد: ماذنبي إذا كان سعر الكوسا 1000 ليرة سورية، والبندورة… والباذنجان… وإذا أردنا استبدال هذه الأشياء لنأكل (الكاتو) فالأمر أشد حزناً، ضحكت من جديد وقلت له: ليس بالخبز يحيا الإنسان، فعاود سخريته ليقول وبالكهرباء أيضاً، على الرغم من أنها ضيفة خفيفة الظل جداً حتى تكاد لا تلمحها، هي فقط تُرينا وجهها المضيء ثم تختفي لتقول لنا إن وجه القمر أحلى.بعد ثوانٍ أقلع السائق لا يلوي على شيء، ولم يتمهل ليلتقط زبائنه المنتظرين على جانبي الطريق، وكأني به أصبح شُعلة من الفرح لا لشيء وإنما وجد من يحدثه أخيراً، ليذهب به إلى حيث أراد.
وفي الطريق تواشجت الحكايات، وبدا الليل حارساً لها أو حبرها الطليق هي بالطبع حكايات الطريق ذاتها والناس ذاتهم في مكابدة المعيش واليومي وانتظار طائر الأحلام الذي لم يعد يعرف أين يحط، لا لكثرة الأفنان، ولكن لكثرة ما نتف ريشه واستبدل غير جناح، وربما لقّبوه في أزمنة مضت بطائر النار، وبطائر الشوك، وبعصفور الثلج، لكنه هو الآخر من اتكأ عليه حينما لا بلاد. انطوى الطريق سريعاً بدقائق متسارعة وحكايات تمتد من نقص الكهرباء الضروري إلى ضرورة احتضان الأولاد آخر الليل، لعل دفئهم يعوض ولو قليلاً ما نفتقده على مدار النهار بفضل حكمة الكهرباء، لا جنونها فحسب.
* كثيراً ما تطالعنا الأخبار المنتزعة من سياقات كثيرة، عن (مجانين) هم لم يكونوا بالأصل مجانين، ربما كانوا أبطالاً في أزمتة شتى، وفي غير ساحة، منها الرياضة ولا سيما (الشطرنج)، ولعلنا نقف حائرين أمام نهاياتهم التراجيدية الصادمة، نتأمل في وجوههم وفي أصابعهم المرتعشة، وفي أسمالهم البالية، هؤلاء كانوا في يوم ما شغلوا العالم ببطولاتهم الفردية ومواهبهم الكبيرة، لكن أن ينتهي بهم الحال هكذا، فثمة سؤال: هل هي لعبة القدر حينما يقتص منهم على هذا النحو أو ذاك؟ ولمَ نمر أمامهم محايدين ومشبعين بالفضول الخفي، الذي يتقصى سيرهم الذاتية؟ هل خوفنا من أن نصبح مثلهم ذات يوم، حتى نكاد لا نعرفنا؟، يا لبؤس تلك الحكايات في مراياها الفاضحة، كيف يعبر المعنى يتيماً من أمامنا، فلا تتحرك حتى خلايا ضوئها تعاطفاً أو ارتياباً، يظل الحياد هو القول الفصل، ونرجع بالذاكرة إلى السيرة الأولى بوصفها سيرة لا تنتهي؟!.
* في مسافات الصمت الجريح لم يعد لائقاً عنوان ذلك الفيلم الشهير (ما تزال الرصاصة في جيبي) وعليه نصيحة الأطباء لزملائهم خاصة من يجرون عمليات انتزاع الحصاة أن يبقي الأطباء الحصاة المنتزعة في جيوبهم دليلاً على أنهم وجدوها، خشية أن تذهب إلى مكان آخر خوفاً من أصابع الجراح الماهر، فلم يعد ثمة جيب وما يمكن أن يوضع فيه (حصاة أو رصاصة) لأن الوقت لم يعد هو الوقت بفعل ساعاتنا الرملية التي أخرجتنا من السباق القصير إلى السباقات الطويلة، وكم كان الروائي والمبدع عبد الرحمن منيف صادقاً في اختياره عنواناً ذكياً لواحدة من رواياته الباذخة: (سباق المسافات الطويلة).
* فجأة لكزني السائق وصلت إلى مكانك الذي طلبته، وإذا لم تتفضل بالنزول أدعوك لإكمال السهرة معي، نزلت دونما التفاتة إلى الوراء مستسلماً لممازحات البرد، ومسرّعاً في مشيتي لأصل إلى مكاني وأعيد ترتيب حكايات جديدة تحتاجها سهرة بلا كهرباء.