شهرزاد وإيديولوجيا الترويض والرجل.. ضحية نص سردي
كانت أول معركة لامرأة نصية، كما تحكي المرويات التاريخية، تلك المعركة الشرسة بين امرأتين- آلهتين في الزمن السومري القديم، وذلك في بلاد مابين النهرين، وكان عنوان تلك المعركة (الترويض): كل امرأة تحاول ترويض مابين يديها- وهو مشترك بينهما في كل الأحوال- لإقامة مشروعها.
كان ذلك مابين الآلهتين إنانا، وليليت، وكان الذكر في أول نشوئه، أي (الطفل). ليليت التي تريد أن تنشئ جيلاً من الرجال المسالمين، تغني لهم الهدهدة طوال الليالي، حتى أخذت منها الليالي اسمها، وربما من لون شعرها أو عينيها، وليس العكس، وإنانا التي تحالفت للتو مع الإله بعل- الذكر في أول تشكّل وعيه الذكوري- الذي اكتشف الحصان مؤخراً، ومن خلاله استطاع أن يغزو لأول مرة، فكان مشروع إنانا أن تنشئ رجالاً محاربين، وفي سبيل أن ينجح مشروع كل منهما، خاضت المرأتان حرباً استخدمت فيها كل السبل المشروعة وغير المشروعة لـ (تدجين) الأطفال كلّ بطريقتها، وكان أن انتهى هذا الصراع بانتصار مشروع إنانا المدعوم بالفكر الذكوري المكتشف لحصان القتال، ومن ثم كانت معارك سفك الدماء قد بدأت- كما يذكر حنا عبود في كتابه ليليت-.
إنانا وليليت
بالتأمل البسيط لمسار هذه القضية، يكتشف المتابع أن الدافع الأساسي لها كان (الترويض) وفرض فكر معين، لاتزال النساء تشتغل عليه منذ ذلك الحين، وكان الإله بعل حينذاك على درجة كبيرة من الحماقة، أنه سلم إنانا قيادته كما الحصان، ما أشعرها بالقوة المفرطة، فحاكت شائعاتها على المرأة الخصم، ومن ثم كان أول تنكيل بالمرأة من شقيقتها المرأة نفسها، وكان أن ألصقت الأمر بالرجل الذي راح يدفع ثمن (جريمة) لم يرتكبها، أو الأصح راح يدفع ثمن غبائه، حتى وقع هو نفسه ضحية هذا الترويض طول الوقت، تحت بند (قضية المرأة).
وإذا ماتابعنا هذه المسألة من خلال النساء النصيّات، فإن إنانا، إذا كانت سلكت طريق الإشاعات للإيقاع بغريمتها وسحرها لترويض الحصان، وبعل بعد ذلك، فإن غانية المعبد استخدمت جسدها لتفقد أنكيدو عذريته، وبريته، وبراءته الأولى في ملحمة جلجامش الشهيرة، فبعد أن كان ذلك البري مسالماً يعيش مع حيوانات البرية يقتات العشب، ويلتقط الثمار، تحول إلى وحش يسفك الدماء، يتعاون مع قاتل مثل جلجامش الذي سبق ترويضه من قبل شقيقته الآلهة عنات وعشرات النساء من حوله، وذلك بعد أن استغللن حماقاته في بحثه العبثي عن الخلود، أي إن النساء في (أوروك) القديمة، روضّن رجلين كانا في منتهى الوداعة، وحوّلنهما إلى قاتلين محترفين في حروب أقرب إلى أن تكون عبثية.
عنات وشقيقاتها
في (ألف ليلة وليلة) تبدو دراما الرجل، لمن يدقق، أشد وطأة، ومأساة شهريار تبدو هنا مركبة وأشد قهراً في مسيرة ترويض النساء في المرويات والنصوص للرجال، فهذا الرجل المطعون ب (شرفه) من غدر امرأة سابقة، أراد، بمنتهى الحماقة والعبثية، أن ينتقم من جنس النساء جميعاً، فبعد أن قتل زوجته الخائنة، أراد أن (يغتصب) عذراء كل ليلة، ثم يقطع رأسها عند الصباح، غير أنه في إطار سياسة الترويض التي اتبعتها النساء النصيّات منذ أول المرويات، كان أن تعددت أنواع (السياط) لديهن، كامرأة السيرك تماماً التي تروض بسياطها الأحصنة والنمور والكلاب والسباع و.. غيرها، فإذا كانت إنانا استخدمت الإشاعات المغرضة، وغانية المعبد استخدمت جسدها، فإن شهرزاد استخدمت ماهو أشد من ذلك، وكان (سوطها) المروِّض هنا هو النص نفسه، فهذا الرجل الذي تربى على الحكايا منذ أيام جدته الأول ليليت، كان متعطشاً لمن يهدهده، ويربت على رأسه، وهو الخارج للتو من طعنة غادرة، وكانت شهرزاد قد التقطت رأس الخيط – اللعبة مباشرة، ولاأظن أن البائس شهريار كان يحتاج إلى ألف ليلة وليلة حتى تتم عملية ترويضه بهذا الشكل المخزي، أعتقد أنه كان يكفيه سبعة أيام بلياليها كما حصل لأنكيدو مع غانية المعبد، ليخرّ صريعاً، فالسوط هنا كان أشد وأقوى، ذلك أن شهرزاد كانت تحمل من السادية، وربما شيئاً من الانتقام، بسوط (الثرثرة) الذي على مايبدو تلقفته الكثير من النساء فيما بعد، وصار لازمة للكثير منهن، فلنتخيل (ملكاً) يسهر الليالي الطويلة يسمع الحكايات الفنتازية، ولا فنتازيا هاني السعدي، ومن ثم ينام النهارات، أيّ بائس هذا الملك! ومن كان الحاكم الحقيقي خلال ذلك السهر والنوم الطويلين؟! وربما هذا يُفسر بـ (نقطة الضعف) لدى الرجل، الذي يبدو دائماً أنه يريد من المرأة أن تحكي له حكاية (حكاية لم تَحْكها لأحد من قبل) كما يشتهي، ويتمنى، وهنا يقع (ضحية) لامرأة تمتهن بيع الكلام، امرأة تفكر بالكلمات، واللغة بالنسبة لها هي خيوط تحوكها، كما لو كانت تحوك أو تنسج شباكاً لصيد السمك أو الطيور..فمن بين جميع أسلحة الدمار التي يستطيع الإنسان ابتكارها، ثمة من يرى أن (الكلمة) هي الأكثر إثارةً للرعب، والأقوى، ذلك أنها تستطيع التدمير دون ترك أية أدلة..!
سوط شهرزاد
تعدد شكل (سوط) الترويض للمرأة النصية إذاً – باعتبارنا هنا نتحدث عن المرأة النصية وحسب- لكنه في كل مرة كان المعادل لسوط فتاة السيرك، حتى عندما خطف زيوس أوربا، فإن المتأمل للحكاية يجد أن زيوس هو من كان مخطوفاً، لا أوربا، فهي من حوّلته إلى (ثور) شقت بجسده – الذي تحول إلى قارب نجاة لها- عباب وأعالي البحار لتنال هي وحدها المجد الشخصي، فقد أطلقت اسمها، عندما صارت على الضفة الأخرى من البحر على قارة بأكملها. وبالعودة إلى أولى الحكايا، فإن الطفل في حكاية إنانا وليليت، كانت غوايته، أو تفاحة المعرفة لديه، هي معرفة الأشياء من حوله، وما يحيط به، فيما أنكيدو البري كان يحتاج إلى أن يعي جسده، فكانت غواية الجسد، وأما شهريار وهو المجروح فكان يحتاج إلى من ينسيه مأساته، فكان أن استغلت شهرذاد إلى حاجته إلى الهدهدة، أما أوربا فقد استثمرت روح المغامرة عند زيوس، أي كان أن تعدد شكل السوط، لكنه كان سوط الترويض دائماً.
سوط الترويض دائماً
حتى أن ثمة من يرى أن الرجل الذي يتزوج أكثر من امرأة، لا يعني ذلك إلا (فحولة) مزيفة، وكل مافي الأمر أن رأس الرجل هنا بحاجة إلى مخاتلة أكثر، وإلا كيف تجتمع المتناقضات على أمر واحد، حتى لو كان رجلاً، ومن هنا ربما نتفهم بعض قصص المرويات القديمة، التي تُبين أن الشدة في الترويض، أو في ممارستها من قبل المرأة النصية، كانت تؤدي بالمروَّض به إلى الجنون، أو الموت عشقاً، حتى أن البعض منهم استعذب العشق والترويض نفسه، وقد مشى على غير هًدى في الفيافي والقفار، على ماتروي قصص (العشق العذري) فيما تنعدم تماماً قصص نساء مشابهة، هل سمعتم بامرأة ماتت أو جنّت عشقاً..؟!
حقاً ثمة غرابة أن الشعر العذري ليس بين شعرائه امرأة! أليست المرأة مؤهلة لهذا النوع من الشعر أكثر من الرجل؟ أينقصها صدق الود والعاطفة والعفة وهي المصنوعة من هذه الأشياء؟! وحتى المعلقات كتبها شعراء ذكور، سواء أكانت سبعاً أم عشراً، وهنا قد يكون ثمة (مكر نسائي) أكثر منه عجزاً، بل هي نوع من الأنانية والسادية في بعض الوجوه، ذلك أن البعض يفسر ذلك أن المرأة، أرادت أن تشبع رغبتها، بل وكان يملؤها الرضا (أن تكون هي قصيدة بحد ذاتها؟ وأن تكون محور الشعر ومنطقته الحيوية في كل العصور!!).
وهنا ثمة التباس، فالنساء هن من بقين مع يسوع المسيح، حين هرب الرجال كلهم، وأنكروا ولاءهم، النساء هنّ من بكين حين حُمل الصليب، وهن اللواتي انتظرن عند قدميه ساعة موته، كما كانت النساء، هنّ من زرن القبر الخالي، بعد أيام.. النساء هنّ من بقين مع الحسين، يوم هرب كل الرجال، النساء هن من طفن مع (رأسه المقطوع) في ارتحاله الطويل من كربلاء إلى دمشق..!!