جنيــف«الثالث» في مهب الريح

الأمريكيـون وحلفاؤهـم يريدون مكاســب على الأرض        السعوديون والأتراك يعرقـلون التسـوية بانتظار وصول «الجمهوري» إلى البيت الأبيـض

رغم الحوارات الثنائية التي تتواصل بين روسيا والولايات المتحدة، والإعلان عن مركز مشترك لمراقبة  التهدئة في سورية، ورغم تصريحات الأمريكيين عن أهمية إنجاح الجهود الدولية السلمية لحل الأزمة  السورية، ماتزال صواريخ (المعتدلين) الذين سلموا أمرهم للنصرة وقذائف مدافعهم تسقط على مدينة حلب، فتخلّف الدماء والحرائق والأشلاء غير عابئة بالهدنة التي تُمدّد يوماً إثر يوم.

ما نحن متأكدون منه أن الولايات المتحدة والسعودية وتركيا لن يسمحوا بأي محادثات في جنيف أو غيرها إلا على قاعدة مكاسب تحققها معارضتهم (المعتدلة) على الأرض، وهذا ما ظهر واضحاً في السلوك المخاتل الذي اتبعوه منذ بداية محادثات جنيف 3 التي انعقدت والجيش السوري يحقق نجاحات واضحة في سيطرته على عديد المناطق التي كانت تحت سيطرة الإرهابيين.

لقد استغلوا كل ساعة من أيام الهدنة، التي بدأت في نهاية شباط ،2016 لدعم الإرهابيين عبر جسور تركية وسعودية منظمة في جميع المناطق السورية، وخاصة في حلب، بعد أن ضرب الجيش السوري طوقاً حولها وانهالت رسائل استغاثاتهم على مسامع حلفائهم في واشنطن والرياض وأنقرة، وجاء تهديد الإرهابيين قبيل الجولة الأخيرة لجنيف 3 بنقض اتفاق الهدنة، وضرب المدن السورية، مؤشراً على رفض أي مسعى سلمي قبل تحقيق إنجاز ما على الأرض، بهدف استثماره.. فكانت صواريخهم وحممهم على مدينة حلب، ومحاولاتهم السيطرة على بعض المناطق الهامة حولها.

ما يجري ترتيبه من خلال المساعي الأمريكية والروسية والدولية لعودة الأطراف إلى طاولة المحادثات، لا يمكن ضمان نجاحه مادامت الولايات المتحدة وحلفاؤها ماضين في دعم الإرهابيين عسكرياً وسياسياً، وهذا ما يضع جميع المساعي السلمية في خانة الانتظار، وقد يؤدي اجتماع الدول الداعمة للحل السلمي في 17 الجاري إلى نتائج إيجابية إذا ما لُجم التطرف السعودي والتركي.

مازال الحل السلمي هو خيار السوريين جميعاً، فهو الطريق الأكثر أمناً وواقعية لحل الأزمة السورية، لكننا نتساءل هنا عن تطبيق القرارات الدولية الخاصة بمكافحة الإرهاب.. عن جدوى خطط التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمكافحته.. عن رفضها القاطع إدراج المنظمات الإرهابية في القائمة السوداء.. عن عودة التصريحات الاستفزازية حول خيارات الشعب السوري.. عن محاولات فرنسا وبريطانيا التشويش على المبادرات الروسية عبر طرح مشروع قرار أممي متحيز.. عن نية سعودية تركية لعرقلة أي حل سلمي بانتظار نجاح الصقور الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

ونتساءل أيضاً: هل مازالت مآسي السوريين وآلامهم محلاً لمساومة هنا من أجل صفقة خليجية، وتجاذب هناك لتمرير سيناريوهات مسبقة الصنع لمستقبل سورية؟! ماذا عن خياراتنا نحن السوريين الطامحين إلى سورية الديمقراطية.. العلمانية.. المعادية لكل أشكال الهيمنة والإرهاب؟….ما ثبت حتى الآن أن أمريكا تريد حلاً للمسألة السورية ينسجم مع كتلة المصالح الأمريكية في المنطقة، وستلجأ إلى عرقلة أي حل آخر، وما حدث في حلب خير شاهد.

التشاؤم ليس من طبعنا، لسبب واضح هو صمود الشعب السوري وإصراره على خياراته الوطنية في مكافحة الإرهاب، وحقه في رسم مستقبل بلاده.. لكننا ننبه إلى ضرورة أن يؤخذ استشراس السعوديين والأتراك في دعم الإرهابيين بالحسبان، وأن تُبذل الجهود لتصليب مقاومة الشعب السوري، الذي يواجه، إضافة إلى جرائم الإرهابيين، وضعاً معاشياً واجتماعياً صعباً نتيجة لسيطرة إرهاب الداخل وارتفاع أسعار الدولار، الذي انعكس زيادة كبيرة على أسعار جميع السلع الضرورية للمواطنين السوريين، وسط عجز حكومي واضح عن ضبط أسعار القطع الأجنبي، والتأثير في الأسواق.

إن الوقوف إلى جانب الجماهير الشعبية، وتأمين حصولها على مستلزمات استمرار صمودها ليس أمراً ثانوياً، بل يدخل في صلب المواجهة ضد الإرهابيين وحلفائهم.

العدد 1188 - 25/02/2026