لولا دا سيلفا رئيساً للبرازيل للمرّة الرابعة
بقلم: شابا أيوب:
أفرزت نتائج الانتخابات الرئاسية في البرازيل يوم الأحد الماضي ٢٥ تشرين الأول (أكتوبر) ٢٠٢٦ فوز اليساري، وعضو حزب العمال، ورئيس نقابة عمال الحديد سابقاً، لويس ايناسيو لولا دا سيلفا على منافسه فلافيو بولسونارو، الرأسمالي المدعوم بقوة من ترامب وإيلون ماسك، والذي يمثل امتداداً سياسياً للاتجاه الشعبوي اليميني في أمريكا اللاتينية.
تَمكَّن لولا دا سيلفا من الفوز للمرة الرابعة بعد جولة إعادة حاسمة أمامَ فلافيو بولسونارو بحصوله على 51.8% من الأصوات مقابل 48.2% لمنافسه.
والسؤال: ما أهمية هذا الفوز في سياق التحولات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم؟
إنَّ أهمية فوز اليساري لولا دا سيلفا واستمراره في الحكم داخل البرازيل، يُشير إلى معادلة جديدة لا تتماشى مع رغبات ترامب وضغوطاته على دول أمريكا اللاتينية وإخضاعها للنفوذ الأمريكي. خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن البرازيل هي أكبر دولة في القارة، وتُمثّل بالمساحة، وكذلك بالوزن الاقتصادي والسياسي ما يقارب نصف أمريكا الجنوبية. وعليه، يمكن النظر الى الفوز بوصفه عامل توازن إقليمي، وَنقطة تحوّل ضد صعود اليمين الشعبوي في العديد من دول أمريكا اللاتينية وأوربا.
ويُشكل خطوة إضافية لتعزيز دور مجموعة البريكس، نظراً لأن البرازيل هي أحد الأعمدة الأساسية في بريكس إلى جانب الصين والهند وروسيا وجنوب أفريقيا، ومعلوم أن أهداف بريكس تتمحور حول إصلاح النظام المالي العالمي، وتوسيع دور الاقتصادات الصاعدة، والبحث عن آليات تخفف من الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية.
ومن تجليات هذ الفوز أيضاً تقوية وُجهة تشكيل عالم متعدد الأقطاب. إذ يُعتبر لولا دا سيلفا أحد أكبر المدافعين عن فكرة العالم متعدد الأقطاب، ويَرفض عودة الهيمنة الأميركية المنفردة، كما يرفض سياسة فرض العقوبات على الدول التي تُراعي مصالحها الوطنية، ولا تقبل بخضوعها للهيمنة الغربية والأمريكية.
تسعى البرازيل تحت قيادة لولا إلى التعاون مع الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند وأوروبا على حدٍ سواء، وإقامة علاقات متوازنة مع بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يخدم مصالحها الوطنية والمصالح المشتركة.
شَهدت البرازيل قبل الانتخابات انقسامات حادة وعميقة داخل معسكر اليمين وداخل معسكر اليسار.
وما يهم هُنا هو الحديث عن اليسار البرازيلي.
خاض لولا الانتخابات بدعم تحالف من سبعة أحزاب يسارية، شَملتْ كُلٍ مِن الشيوعيين والاشتراكيين واليسار الراديكالي والاشتراكيين الديمقراطيين والخضر، وبمساندة نقابات عمالية واتحادات مهنية وحركات اجتماعية.
والسؤال هو: كيف استطاعت قوى يسارية مختلفة في آرائها حول الرأسمالية، ودور الدولة، والسياسات التي اتبعها لولا سابقاً، أن تعمل معاً رغم خلافاتها الفكرية والسياسية؟
الجواب: إنَّ المخاطر التي هددت مستقبل البلاد، وجرّها الى معسكر الإمبريالية العالمية، وتعرّضْ مكتسبات العمال والشغيلة الى الضياع دفعتهم الى وضع خلافاتهم جانباً والاتفاق على أهداف مشتركة يأتي في مقدمتها محاربة الرأسمالية المتوحشة مُمثلة بنهج فلافيو بولسوناروا، والتصدي لليمين الشعبوي والتقليل من نفوذه.
ما العبرة من هذا الفوز لشعوبنا؟
لا يمكن استنساخ التجربة البرازيلية حرفياً، لكن على قوى اليسار المشتتة في بلداننا مثل العراق وسورية على سبيل المثال أن تستفيد منها، بأن تلتقي بين حين وآخر رغم الاختلافات فيما بينها لتوحيد مواقفها، وتتفق على المشتركات وهي كثيرة، وتُركّز جهودها ضد العدو الطبقي المُتمثل بالأوليغارشية الإسلاموية الفاسدة، ونهجها الاقتصادي المُدمّر، والذي يعتمد على الاقتصاد الريعي، وغياب أية خطط للنهوض بالصناعة والزراعة، وتَسبّبَ في زيادة البطالة والفقر ونقص الخدمات.
إن النضال المشترك من أجل الإطاحة بهذه الأنظمة الفاسدة يتطلّب وضع الخلافات جانباً على الأقل في المرحلة الحالية، والتعاون والتنسيق على كل المستويات من أجل إعادة ثقة الجماهير باليسار، وكسب المتضررين من هذه الأوضاع، وذلك بتبني مطالبهم والدفاع عن مصالحهم ومصالح العمال والفلاحين والطلبة والشباب والنساء، والعمل المباشر بين صفوفهم وميادين وجودهم.