عودة المدّ الورديّ.. ثورة خاضها الشعب البرازيلي في صناديق الاقتراع
د. نهلة الخطيب:
ما بعد ترامب ليس كما قبله. مستقبل أمريكا على المحك، فهي لم تعد تحظى بالهيبة نفسها وكأنها تسير نحو انقسام أكبر مع غياب البدائل، ترامب يستشعر تراجع أمريكا التي تخسر بالحروب والاقتصاد ويحاول إنقاذ الموقف بمواجهة كل القوى في العالم ويتحداها. وبناءً على ذلك نحن أمام مرحلة تصعيدية والساعات القادمة حاسمة وخطيرة جداً، والمتضرر أمن العالم الذي يدفع ثمن مغامرات غير محسوبة، ترامب يدفع العالم إلى حافة حرب عالمية ومتغيرات كبرى تتهيأ لحدوثها بعد أن ورط بلاده في الحرب الإسرائيلية ضد إيران التي هي أصلاً لا تخدم مصلحتها الوطنية، بل تسببت بتهديد المنظومة التي أقامتها في المنطقة وفي العالم، ولا بد لأمريكا من الانتصار لاستعادة مكانتها كقوة عظمى وإن كانت قد تجاوزتها!
عندما تنكسر شوكة ترامب ونتنياهو في إيران برفع تكلفة الحرب في مضيق هرمز وانعكاس ذلك على صناديق الاقتراع، وعندما يبدأ الخريف في أوربا التي تواجهه موجة احتجاجات ومظاهرات حادة تنذر بتداعيات سياسية واجتماعية خطيرة جداً وصراع أوربي قادم لا أحد يعرف إلى ما ستؤول به المطاف، ربما الخراب!! نفرح بربيع حقيقي ربيع موشح بأجمل كوفية، كوفية الحرية، داعم غزة ونصير فلسطين ورافض التمثيل الدبلوماسي الإسرائيلي في بلاده لولا داسيلفا رئيساً للبرازيل مجدداً رغم الحشد الهائل للمرشح الترامبي المنافس فلافيو بولسونارو، وهو نجل جايير بولسونارو صديق إسرائيل والمعتقل حالياً في البرازيل، داسيلفا مؤمن أن (الأقوياء بإمكانهم أن يقتلوا زهرة أو زهرتين لكنهم لن يستطيعوا أبداً إيقاف قدوم الربيع، ونضالنا هو سعيٌ نحو الربيع). للتأكيد على التغيير والصمود، صدمات متتالية لترامب ونتنياهو؛ كل ما بنوه مهدد بالاندثار، بداية من السردية الكاذبة في فلسطين، إلى هزيمة فيكتور أروبان في المجر إلى فوز الحركة الطلابية في صربيا وخسارة اليمين المتطرف، وأخيراً عودة المد الوردي للبرازيل وفوز داسيلفا في إشارة إلى حدود قدرة ترامب على التغيير بما يتناسب ومصلحته.
الفوز قد يبدو للبعض أمراً طبيعياً، ولكن الموضوع مختلف وخاصة بالنسبة لداسيلفا الثمانيني بعد مسيرة امتدت عقود من الصعود والتراجع والانتصار والهزيمة، أدين بتهم الفساد ودخل السجن وأدى إلى حرمانه من الترشح في انتخابات عام 2018 وفاز اليميني المتطرف جايير بولسونارو الذي عمل خلال دورته الرئاسية على تقويض الضوابط والتوازنات وممارسة ضغوطات على القضاء والمجتمع المدني، إلى التدهور الاقتصادي وارتفاع الإنفاق المالي والدين العام ونشوء حالة من الاستقطاب السياسي المزعج.
فوز داسيلفا سبّب زلزالاً بأمريكا اللاتينية، لأن المفروض بعد جولة الإعادة فوز المتقدم بالجولة الأولى، ولكن فلافيو بولسونارو خسر بالإعادة بعد أن كان متقدماً على منافسه في الأولى، واتهم الانتخابات بالتزوير على طريقة ترامب ونتنياهو (إنهم يحاولون سرقة انتخاباتنا)، منافسه داسيلفا 45% بالجولة الأولى والثانية 51,7% محققاً النصر بخروج البرازيل من تحت المظلة الأمريكية والإسرائيلية، وفشل محاولاتهم إبعاد البرازيل عن قضايا الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية بالأخص.
عودة داسيلفا ليست مجرد نجاح مرشح ضد آخر في الانتخابات، فما حدث ثورة خاض الشعب فيها معركة صناديق الاقتراع، وهذا ما يؤكد أن المشهد السياسي البرازيلي يشهد نضوجاً وترسيخاً للديمقراطية التي ولدت منذ ثلاثين عاماً بعد نهاية الحكم العسكري السلطوي، داسيلفا ساهم في تأسيس حزب العمال ونشر الفكر اليساري مطلع الثمانينيات، وكان أول رئيس برازيلي ينتمي إلى طبقة العمال، فعمل على تطبيق برامج اجتماعية طموحة (حملة داسيلفا الشهيرة لقضاء على الجوع) مستندة على ازدهار اقتصادي مدعوم بارتفاع أسعار المواد الخام، مما أدى إلى خروج نحو 44 مليون برازيلي من براثن الفقر والبؤس، واليوم تعتبر البرازيل من الدول الكبرى الغنية بمواردها الطبيعية والبشرية، واستطاعت الانتقال من دولة تعاني من الفقر والتضخم والدين إلى دولة تمتاز بمعايير قوة اقتصادها ودخلها القومي تملك أوسع غابة استوائية (الأمازون) التي تشكل مخزوناً ضخماً للأوكسجين في العالم، وتعتبر البرازيل في طليعة دول البريكس ذات الإمكانات الاقتصادية الكبيرة، وهي عضو في مجموعة العشرين، قوة صاعدة من خلال سياستها الخارجية التي صاغتها لتأهيل نفسها كلاعب دولي له وزنه العالمي، فقد تبنت مبدأ الحوار والتحالفات الدولية والاقليمية ليكون لها دور في النظام الدولي وفق رؤيتها في وجود نظام دولي متعدد الأقطاب.
وبوصول داسيلفا نصير العمال والفقراء إلى الرئاسة البرازيلية، في سياق أجواء كانت الأكثر استقطاباً سياسياً وتوتراً في تاريخ البلاد، في مواجهة فلافيو بولسونارو ممثل معسكر اليمين المتطرف، في انتخابات عكست عمق الانقسام السياسي داخل البرازيل أنها مواجهة تتجاوز شخصين لتكشف صراعاً حول مستقبل البلاد وخياراتها الاقتصادية والاجتماعية.
وهذا الانتصار لا يعني أن الطريق أصبح مفروشاً بالورود، سيواجه داسيلفا تحديات أبرزها أنه سيتعامل مع برلمان غالبيته يمينية من الحزب الليبرالي بزعامة خصمه بولسونارو، والمتوقع أن يفرض قيوداً شديدة على الميزانية ومعارضة لسياسته، إضافة إلى تجنّبه فضائح فساد جديدة سيكون تحدياً مهماً ينتظر الرئيس المنتخب، فالمعادلة قد تكون صعبة: يسار يقود دولة رأسمالية، براغماتي يمتاز بثبات العقيدة ويركب موجه التغييرات حتى لو كان شيوعياً، هروب فلافيو بولسونارو كاللصوص إلى أمريكا خوفاً من المحاسبة بسبب ملفات فساد وخيانة.. هكذا تبدأ أمريكا تحضيراتها، تتبنى الخونة وتصدّرهم للعبث بأمن بلادهم.
وأخيراً (داسيلفا ظاهرة سياسية وانتخابية مثيرة ينبغي أن يدرسها العالم ويهتم بها اهتماماً بالغاً) وهذا القول لجون فرينش أستاذ التاريخ في جامعة ديوك في الولايات المتحدة، وفعلاً الباحث الاجتماعي السويسري جان زيغلر أحد كبار موظفي الأمم المتحدة والمسؤول عن ملف توفير الغذاء للجوعى في العالم سجل تجربته في كتاب (إمبراطورية العار) استشهد بداسيلفا كأحد النماذج القيادية التي حاولت التمرد ومواجهة الأليات الجائرة لهذا النظام العالمي المشوه. صندوق النقد والبنك الدوليان والشركات العابرة للقارات التي أدت إلى موت الملايين جوعاً، وهو ما يمثل العار الحقيقي للإنسانية في عالم يعاني من بربرية جديدة تقوده بكل قسوة باسم النظام العالمي الجديد، انفكاك عالمي غير مسبوق وفرط علني للسيطرة والوصاية الأمريكية لإعادة رسم خرائط العالم ورسم خرائط النفوذ على الممرات المائية وخطوط الطاقة، وترتيبه بما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، ترامب ونتنياهو يعبثان بالعالم لإقامة إمبراطورية نتنياهو بالشرق الأوسط تحت مسمى إسرائيل الكبرى وإمبراطورية ترامب تشمل كل العالم بالأخص أمريكا الشمالية والجنوبية، ولم تكن أمريكا اللاتينية بمنأى عنها، بعد تبني مبدأ مورنو، بعد أن باتت الصين أكبر شريك تجاري لأمريكا اللاتينية وهو ما ترفضه أمريكا، فهل بدأت أمريكا فتح حروبها في حديقتها الخلفية بعد فنزويلا والآن كوبا وأخيراً البرازيل بعد خسارة مرشح ترامب ونتنياهو.. عودة المد الوردي؟؟