بمناسبة الذكرى 102 لتأسيس الحزب الشيوعي السوري
سامر النمر:
في مثل هذه الأيام من عام 1924، ولدت من رحم المعاناة الشعبية السورية نواةٌ سياسية وفكرية غيّرت وجه العمل الحزبي في المشرق العربي. نحتفل هذه الأيام بالذكرى الثانية بعد المئة لتأسيس الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، هذه المسيرة الممتدة لأكثر من قرن والتي لم تكن مجرد حكاية تنظيم سياسي، بل كانت مرآةً عاكسة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والوطنية التي عاشتها سورية والمنطقة برمتها.
تأسس الحزب في ظروف بالغة التعقيد، فقد رزحت البلاد تحت وطأة الانتداب الفرنسي بعد تفكك الدولة العثمانية. في تلك الأجواء التقت تطلعات مجموعات من المثقفين والعمال المخضرمين لإنشاء أول جمعية ماركسية منظمة. لم يكن الهدف مجرد تبني أيديولوجيا وافدة، بل صياغة أداة كفاحية قادرة على ربط التحرر الوطني من الاستعمار، بالتحرر الاجتماعي للطبقات الكادحة من فلاحين وعمال، وكان هذا الربط الجدلي هو الميزة التي منحت الشيوعيين شرعيتهم الشعبية مبكّراً، فقد دخل كوادره في أتون الثورة السورية الكبرى عام 1925 كفصيل وطني فاعل وملاحق من سلطات الانتداب.
مع بزوغ فجر الاستقلال ومرحلة خمسينيات القرن الماضي، عاش الحزب العصر الذهبي لحضوره الجماهيري والبرلماني، ولعل المحطة الأبرز في تلك الحقبة تمثلت في انتخاب الأمين العام للحزب خالد بكداش عضواً في البرلمان السوري عام 1954 كأول شيوعي يصل إلى ندوة برلمانية في العالم العربي. كان الحزب حينئذٍ رقماً صعباً في المعادلة السياسية، وقاد معارك فكرية ونقابية شرسة ضد المشاريع الاستعمارية الغربية وحلف بغداد، مدافعاً عن سيادة سورية وهويّتها المتحررة.
لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود، إذ واجه الشيوعيون السوريون تحديات وجودية واختبارات قاسية خلال مرحلة الوحدة الاندماجية مع مصر (1958-1961) في عهد الجمهورية العربية المتحدة. دفع الحزب ثمن موقفه التحفظي النقدي تجاه آليات الوحدة، فتعرّض لحملات ملاحقة واعتقال واسعة وقدم شهداء في غياهب السجون كان أبرزهم القائد الشيوعي البارز فرج الله الحلو، ورغم القمع بقيت الجذور عميقة في الأرض، فقد عاد الحزب إلى الواجهة بعد ذلك مستفيداً من التحولات العميقة التي شهدتها الثقافة السياسية السورية.
وفي عام 1972 دخل الحزب مرحلة سياسية جديدة بتأسيس الجبهة الوطنية التقدمية ليصبح شريكاً رسمياً في المؤسسات الحكومية والتشريعية، مواصلاً دوره من داخل الأطر الرسمية وخارجها في إغناء الحوار السياسي السوري. ورغم تباين الرؤى الفكرية والسياسية وتعدد المنابر والتعبيرات التنظيمية داخل المدرسة الشيوعية السورية عبر العقود اللاحقة، فإن الجوهر النضالي ظل ثابتاً ومتمحوراً حول قضايا السيادة والعدالة الاجتماعية.
ومع رياح القرن الحادي والعشرين وصولاً إلى الأزمة العاصفة التي ضربت سورية منذ عام 2011، واجه الشيوعيون السوريون بمختلف منابرهم امتحاناً هو الأصعب في تاريخهم المعاصر، ورغم تباين المواقف السياسية تجاه تفاصيل المشهد المعقد، ظل الهم المشترك للكوادر الشيوعية وخاصة الأجيال الشابة هو الحفاظ على النسيج المجتمعي، وتقديم الإغاثة الإنسانية، والتأكيد على أن أي حل مستقبلي يجب أن يضمن العدالة الاجتماعية وكرامة المواطن السوري، متمسكين بالثوابت الوطنية ومواجهة المخططات الخارجية.
اليوم وبعد 102 عام من التأسيس، يقف الحزب الشيوعي السوري بكل أطيافه أمام استحقاق المراجعة والتجديد، إن إرث قرن كامل من النضال والتضحيات والاعتقالات والعمل النقابي لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا بقدرته على الإجابة عن أسئلة الواقع السوري المعقد. فالبلاد اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى فكر اقتصادي منحاز للفقراء، وإلى صوت يدافع عن حقوق الطبقة العاملة في ظل تداعيات الحرب والحصار الاقتصادي.
إن الذكرى الثانية بعد المئة ليست مجرد مناسبة لاسترجاع الأمجاد، بل هي وقفة تأمل ومسؤولية تاريخية أمام مستقبل وطن يتلمس طريقه نحو التعافي والسيادة والعدالة الإنسانية المطلقة.
عاش نضال الطبقة العاملة السورية، والمجد لشهداء الحركة الوطنية والتقدمية!