موقف الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF) من أزمة الاحتجاجات.. بين التضامن الخطابي والتيه الاستراتيجي

عيسى عيسى:

عند تقييم موقف الحزب الشيوعي الفرنسي من الاحتجاجات الاجتماعية الأخيرة في فرنسا (خريف 2026)، لا يمكن الاكتفاء بملاحظة تضامنه مع الحركات، بل يجب ربط هذا الموقف بالتناقض الأساسي الذي يعيشه الحزب تاريخياً: كيف يمكن لحزب شيوعي أن يحافظ على هويته الطبقية الثورية بينما يشارك في إدارة مؤسسات الجمهورية الخامسة الرأسمالية؟ تشير المعطيات المتاحة إلى أن الحزب يتبنى موقفاً يتسم بازدواجية بنيوية، فهو من ناحية يندد برفض سياسات التقشف ويقف إلى جانب الطلاب والعمال، لكنه من ناحية أخرى يظل أسيراً لأشكال الممارسة السياسية التقليدية التي تعيق تحويل الغضب الشعبي إلى قوة تغيير تاريخي، بل إن بعض ممارساته قد تساهم في احتواء هذا الغضب أو تحويله وجهة انتخابية ضيقة.

 

1- التضامن المبدئي مع الحراك كمحدد عام

في وثائق الحزب الرسمية الصادرة في أكتوبر 2026، يظهر موقف واضح بالانحياز إلى المحتجين. يدعو الحزب صراحة إلى النزول إلى الشارع في 17 أكتوبر و5 نوفمبر، ويحدد أصل الأزمة في الخيارات السياسية للحكومات المتعاقبة لإيمانويل ماكرون التي تضحي بحياة الناس لصالح المصالح الرأسمالية. كما يربط الحزب بين احتجاجات الشباب (الثانويات والجامعات) وحركات العمال، داعياً إلى التقارب بينهما لبناء حركة اجتماعية قادرة على فرض مكتسبات جديدة. في هذا الإطار، يقدم الحزب مطالب ملموسة: رفض زيادة 7 مليارات يورو في الميزانية العسكرية، وزيادة الأجور والمعاشات، وتوظيف 90 ألف معلم، وإلغاء Parcoursu  (منصة القبول الجامعي). هذه المطالب تعكس قراءة سليمة للطبيعة الطبقية للأزمة، وتلتقي مع التحليل الماركسي الذي يرى في تقليص الخدمات العامة والضغط على الأجور آلية لإعادة توزيع الثروة لصالح رأس المال.

 

2-إشكالية الاحتواء المؤسسي للغضب الشعبي

لكن الموقف لا يخلو من تناقضات جوهرية، ففي الوقت الذي يندد فيه الحزب بالقمع ويدعم حق التظاهر، نجد قياداته تدعو إلى احتلال دوارات الطرق والتجمع أمام مقرات الشركات الكبرى في محاولة واضحة لاستنساخ تجربة السترات الصفراء لعام 2018، لكن مع إضافة قيد كاشف: افعلوا ذلك بأوراق التصويت. هذا الشعار، الذي أطلقه الأمين الوطني فابيان روسيل، يكشف عن جوهر الإشكال: الحزب يريد أن يكون حاضراً في الحراك الاجتماعي، لكنه يخشى في الوقت نفسه أن يفلت هذا الحراك من قبضة العملية الانتخابية. إنه يريد تحويل الغضب إلى أصوات، لا إلى تصعيد غير محسوب. هذا الموقف، من منظور ماركسي نقدي، ليس مجرد تكتيك انتخابي، بل يعكس بنية الحزب كحزب مؤسسي يسعى للحفاظ على مواقعه في المجالس المحلية والبرلمان، حتى لو تطلب ذلك كبح جماح الحركة الاجتماعية أو تقليم أظافرها الثورية.

 

3-الانفصال عن قاعدة الشباب والطبقة العاملة الجديدة

تتجلى إشكالية أخرى في طبيعة القاعدة الاجتماعية التي يخاطبها الحزب. ففي حين أن الحراك الطلابي والشبابي في 2026 كان في طليعة المواجهة، نجد أن الحزب يعتمد بشكل كبير على أشكال تنظيمية تقليدية (خلايا الحزب، البلديات التي يديرها، النقابات القريبة منه). بل إن وثائق الحزب الداخلية نفسها، الصادرة عن مؤتمره الأربعين، تعترف بفشله في تجذير Communists في أماكن العمل، وتشير إلى أن عدد الخلايا في الشركات لم يتجاوز 1000 رفيق على المستوى الوطني منذ عام 2018، كما تعترف بأن الحزب يفتقر إلى منظور سياسي يتجاوز التعبئة الاجتماعية. هذا الاعتراف الذاتي خطير، لأنه يعني أن الحزب، رغم خطابه الثوري، لا يملك الأدوات التنظيمية لقيادة حركة احتجاجية واسعة، بل يكتفي بركوب موجتها عندما تظهر. وهذا ما يفسر لماذا يبدو الحزب في كثير من الأحيان تابعاً للحركة الاجتماعية وليس قائداً لها، وهو وضع يتناقض مع الدور الطليعي الذي يفترض أن يلعبه كحزب شيوعي.

 

4-المأزق الانتخابي

والانحسار التاريخي

لا يمكن قراءة موقف الحزب من الاحتجاجات بمعزل عن أزمته الانتخابية المزمنة، فالحزب الذي كان يحصد أكثر من 20% من الأصوات قبل عام 1980، لم يحصل مرشحه في الانتخابات الرئاسية 2022 على سوى 2.28%. هذا الانحسار ليس مجرد نتيجة للتحولات الاجتماعية، بل هو أيضاً نتاج استراتيجية تحالفية طويلة الأمد مع الحزب الاشتراكي أضعفت هويته الثورية، ثم نتاج تمسكه بقيادة تعتمد خطاباً يسارياً لكنها غير قادرة على تقديم بديل جذري مقنع. في خضم أزمة الاحتجاجات، يبدو الحزب وكأنه يحاول تعويض ضعفه الانتخابي عبر الحضور في الشارع، لكنه يفعل ذلك بأدوات خطابية وتنظيمية عفا عليها الزمن. فبدلاً من أن يكون صوتاً راديكالياً يطرح أسئلة حول من يملك الثروة؟ نجد الحزب يطالب بزيادة الأجور وتوظيف المعلمين، وهي مطالب مشروعة لكنها لا ترقى إلى مستوى الأفق التاريخي الذي تتحدث عنه الحركات الاحتجاجية.

إن موقف الحزب الشيوعي الفرنسي من أزمة الاحتجاجات يعكس مأزقاً أعمق: حزب يمتلك إرثاً نظرياً ثورياً، لكنه يمارس سياسة الاحتواء المؤسسي للغضب الشعبي. إنه يدعم الحركة الاجتماعية بخطابه، لكنه يعمل على تقليم أظافرها عبر توجيهها نحو صناديق الاقتراع، بينما تعترف وثائقه الداخلية بعجزه عن بناء أدوات تنظيمية جديدة تلائم عالم العمل الرقمي وهشاشة الشباب. من منظور ماركسي نقدي، لا يكفي أن يندد الحزب بالرأسمالية، بل يجب أن يقدم تفسيراً ملموساً لآليات استمرارها، وأن يبني أشكالاً تنظيمية قادرة على تجاوز منطق المؤسسة دون السقوط في الطوباوية.

للأسف، المعطيات المتاحة تشير إلى أن الحزب، في خضم أزمة 2026، لا يزال عالقاً بين هذين القطبين، عاجزاً عن أن يكون ذلك المثقف العضوي الجماعي الذي يحول غضب الشارع إلى وعي تاريخي منظم.

العدد 1221 - 28/10/2026