التضامن المشروط.. لماذا أعاد داسيلفا تعريف شروط انتمائه لليسار اللاتيني؟
عيسى عيسى:
في يناير 2026، شهدت كاراكاس عملية عسكرية أمريكية أحادية الجانب، اعتقلت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلتهما إلى نيويورك لمواجهة تهم الإرهاب المخدراتي، وتولت بعد ذلك نائبة الرئيس دلسي رودريغيز السلطة بموافقة المحكمة العليا والقوات المسلحة، وتباشر التعاون مع واشنطن في قطاع النفط.
هذا الحدث لا يمكن قراءته كسقوط نظام أو تحرير شعب، بل كإعادة توزيع للسلطة داخل البنية نفسها: رأس النظام سقط لكن جهازه بقي، والتدخل الخارجي حدث لكنه مر عبر شريحة داخلية من النخبة الحاكمة اختارت الاحتفاظ بجهاز الدولة مقابل الامتثال لمطالب واشنطن. وفي قلب هذه اللحظة يقف موقف الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، الذي لم يمنح مادورو غطاء أيديولوجياً، ولم يطالب بالإفراج عنه، بل اكتفى بإدانة اختطاف رئيس دولة والمطالبة بمحاكمته داخل فنزويلا لا في الولايات المتحدة. هذا الموقف ليس خيانة لليسار ولا انحيازاً لليمين، بل هو فصل إجرائي بين الشرعية الانتخابية والتحالف الأيديولوجي، وهو فصل يهدد أسس التضامن اليساري التقليدي في أمريكا اللاتينية.
من زاوية المادية التاريخية، لا يمكن فهم هذا الموقف بمعزل عن التناقض الطبقي داخل البرازيل نفسها. فحين يصبح لولا رئيساً، تواجهه شروط مادية مختلفة عن شروط مادورو: اقتصاد برازيلي مندمج في النظام العالمي، وبرلمان يميني، وضغوط إمبريالية مباشرة. لذلك يضطر إلى إعادة تعريف التضامن بوصفه مشروطاً بالإجراءات الانتخابية، لا بالأيديولوجيا. منذ عام 2024 لم يعترف لولا علناً بشرعية إعادة انتخاب مادورو، وطالب بنشر محاضر التصويت مفصلة طاولة بطاولة قبل الاعتراف بأي نتيجة، ووصف نظامه بالنزعة الاستبدادية مع تشديده على أنه ليس ديكتاتورية بالمعنى الكلاسيكي. هذا الموقف لم يصدر عن رئيس حزب عمالي في بلد مندمج في النظام العالمي فحسب، بل صدر أيضاً عن حليف تاريخي لمادورو رفض التصويت على إدانة نظامه في المحافل الدولية، مما يعني أن الحصار على مادورو لم يعد أمريكياً فقط، بل بات يشمل إعادة تشكيل داخلية لخريطة اليسار اللاتيني نفسه، فلم يعد الرفيق يحظى بحصانة تلقائية، وأصبح مادورو سجيناً لشرعية لم يستطع إثباتها حتى أمام من كانوا يفترض أن يكونوا سنده الأيديولوجي.
وهنا تكمن النقطة الفاصلة بنيوياً. فما جرى في فنزويلا ليس تدخلاً بالمعنى الدبلوماسي المجرد، بل هو عمل عسكري خارجي أحادي الجانب، نُفّذ بتواطؤ مع شريحة من السلطة الداخلية، وهو في الآن نفسه ليس هزيمة كاملة لليسار ولا انتصاراً كاملاً لليمين. بالنسبة لواشنطن، العملية حققت هدفاً مزدوجاً: إزاحة خصم مباشر، وفتح قطاع النفط الفنزويلي للشركات الأمريكية عبر تراخيص أصدرتها وزارة الخزانة، وترامب صرح علناً بأن الولايات المتحدة تدير فنزويلا وأن الانتخابات يجب أن تؤجل حتى إصلاح البلاد. هذا ليس انتصاراً أيديولوجياً بقدر ما هو إعادة هيكلة لعلاقات التبعية بما يخدم مصالح رأس المال الأمريكي. أما بالنسبة للكيان الصهيوني، فالانتصار مركّب: إسرائيل اعتبرت مادورو حلقة في محور المقاومة الإيراني في أمريكا اللاتينية، وسقوطه يضرب شبكات يفترض أنها كانت توفر مساحة لعمل حزب الله في المنطقة، كما تأمل إسرائيل أن يسرّع سقوط مادورو تحولاً إقليمياً نحو حكومات يمينية أقل عداء لها. لكن هذا الانتصار يبقى مشروطاً: فالنظام الفنزويلي لم يتحول إلى ديمقراطية، والجهاز القمعي ما زال قائماً، واليسار لم يهزم انتخابياً بل أُزيح عسكرياً.
الخلاصة البنيوية أن ما جرى ليس نصراً لليمين بالمعنى الأيديولوجي، بل إعادة توزيع للسلطة داخل البنية نفسها: رأس النظام سقط، لكن جهازه بقي؛ التدخل الخارجي حدث، لكنه مر عبر شريحة داخلية؛ ومادورو صار سجيناً، لكن رودريغيز تحكم. اليسار خسر رمزاً دون أن يخسر قواعده الاجتماعية بالضرورة، واليمين الأمريكي والصهيوني كسبا موقعاً دون أن يحققا تحولاً ديمقراطياً. هذه ليست هزيمة نهائية ولا انتصاراً نهائياً، بل لحظة إعادة تشكيل للتبعية، وهو ما يجعل قراءتها كسقوط أو تحرير على حد سواء قراءة اختزالية. وفي الحالة العربية، فإن أي مشروع تحرر لا يدرج الاحتلالات الأمريكية والتركية والصهيونية الاستيطانية في صميم تحليله البنيوي يبقى مشروعاً ناقصاً، لأن هذه الاحتلالات ليست استثناءات تاريخية خارج البنية، بل هي شروط مادية فاعلة تعيد إنتاج التبعية والتجزئة في المنطقة، تماماً كما أن موقف لولا من مادورو ليس خيانة ولا انحيازاً، بل هو تعبير عن تضامن مشروط أصبح فيه الشرط الإجرائي مقدماً على الرابطة الأيديولوجية، وهو ما يكشف أن اليسار الحاكم في أمريكا اللاتينية لم يعد كتلة واحدة متضامنة تلقائياً، بل مجموعة تجارب تحرر رهينة توازناتها الداخلية وموقعها في النظام العالمي.