ذكرى مرور ١٠٩ سنوات على قيام الثورة الاشتراكية الروسية

أعظم حــــدث في التاريخ الإنســــاني بقيـــادة الماركسي لينين

د. نديم دندن:

النظام الذي أنشأته ثورة أكتوبر الاشتراكية لم يكن في البدء استبدادياً، ولا بيروقراطياً، بل كان النظام الأكثر ديموقراطية الذي عرفته الإنسانية حتى الآن، لقد ألغت ثورة أكتوبر بقيادة الثوري الماركسي لينين بشكل جذري الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وللمرة الأولى في التاريخ أثبتت جدوى الاقتصاد المخطط المؤمم، ليس فقط على صعيد النظرية بل بشكل عملي، وأثبتت تلك الثورة في تجربتها العملاقة التي لم يسبق لها مثيل إذ ضمت أكثر من سدس الكرة الأرضية، أنه من الممكن تسيير المجتمع من دون الرأسماليين وملاك الأراضي والمصرفيين.. ولكن في الوقت الحاضر صار مألوفاً التقليل من نتائج تلك الثورة التي حققتها وحتى الإنكار التام لها، أما اعتبار الحقائق فيقودنا إلى نتيجة مختلفة جداً عما يدعيه أعداؤها، فبالرغم من أوجه القصور والجرائم والمشكلات التي زودنا بها تاريخ الرأسمالية البشعة ومن إعطائنا أمثلة كثيرة جداً مزورة، فإن الاقتصاد المخطط المؤمم في الاتحاد السوفيتي الذي شكله لينين ورفاقه في الحزب الشيوعي تحت قيادته حقق التطور الأكثر إثارة للدهشة، خلال فترة قصيرة جداً من الناحية التاريخية، وهذا ما أثار الرعب للطبقات السائدة في الغرب الاستعماري الرأسمالي، وذلك ما أجبرهم حتى الآن على إطلاق الأكاذيب والافتراءات بشكل وقح حول الماضي تحت ستار الموضوعية الأكاديمية؟

وكان الهدف دفن المثل العليا لتلك الثورة التي أقلقت مضاجعهم، ونتيجة لذلك كان الهجوم الإيديولوجي ضد الشيوعية من قبل كل المنظرين الرأسماليين الاستراتيجيين في محاولة منهم محسوبة لنفي المكتسبات التاريخية التي نتجت عن تلك الثورة، وكان هؤلاء يعتقدون وما زالوا بأن الرأسمالية وحدها ستبقى صاحبة المكاسب الإنتاجية والمبهرة، وليس الاقتصاد الاشتراكي، ويفترون بأن الإحصاءات السوفيتية كانت مجرد أكاذيب ومبالغاً فيها.. لكن الأرقام لا تكذب، لكن الكذابين الرأسماليين هم من استخدموا الأرقام.

إن التقدم الذي تحقق في مجالات محو الأمية والصحة وتوفير الخدمات الاجتماعية وغيره الكثير دفنوه تحت ركام هائل من الأكاذيب والتشويهات التي تهدف إلى طمس الإنجازات الفعلية التي تحققت في الماضي وبشكل ممنهج مبالغ بشدة فيه مستخدمين (لإثبات) أنه ليس هناك بديل للرأسمالية.

وضد هذه الحملة المسعورة وغير المسبوقة من تلك الأكاذيب والافتراءات، من الضروري أن يظهر الماركسيون اللينينيون بما لا يدع مجالاً للشك النجاحات الهائلة للإقتصاد المخطط، على الرغم من الجرائم البشعة التي ارتكبتها البيروقراطية السوفيتية بعد موت لينين الذي نبه الحزب لها قبل مماته، والتقدم الهائل الكامن في الاقتصاد المخطط المؤمم، لا سيما إذا كان يدار على أسس ديمقراطية كما فعل لينين، وتصير هذه الإمكانات أكثر نجاحاً ووضوحاً إذا ما قورنت مع أزمة القوى المنتجة للرأسمالية على نطاق عالمي وكما نشاهده اليوم.

لقد حققت ثورة أوكتوبر عام ١٩١٧ أكبر تقدم سبق أن عرفته القوى المنتجة في أي بلد في التاريخ.

لم يكن في الاشتراكية السوفيتية بطالة أو تضخم كما في الغرب الرأسمالي.

من بلد متخلف شبه إقطاعي أمي في عام ١٩١٧ أصبح اقتصاد اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية اقتصاداً حديثاً ومتقدماً يضم ربع علماء العالم، وبنظام صحي وتعليمي مساو أو متفوق على أي شيء موجود في الغرب الرأسمالي، وقادر على إطلاق أول قمر صناعي فضائي وإرسال أول إنسان إلى الفضاء الخارجي، وبرنامج الفضاء السوفيتي كان أكثر تطوراً بكثير مما لديه في العالم الرأسمالي، وما يزال الغرب يستخدم الصواريخ السوفيتية لإرسال الرواد إلى الفضاء.

ووضعت الثورة الروسية الأساس للتحرر الاجتماعي للمرأة وأوفت بالتزاماتها فيما يتعلق بالمرأة وضمان جميع أشكال النشاط الاقتصادي والثقافي لها.

لكن، بعودة الرأسمالية إلى روسيا، تحقق تراجع سريع لمكاسب الماضي مما دفع النساء إلى العودة إلى وضع العبودية المدقع تحت اسم (الأسرة)

والسؤال المطروح حالياً: (لماذا انهار الاتحاد السوفيتي؟).

أحد الأسباب الرئيسة هو الاستعاضة عن دولة الديموقراطية العمالية التي بناها لينين ورفاقه البلاشفة بدولة البيروقراطية المشوهة الوحشية وتصفية السلطة السياسية للطبقة العاملة، وأصبحت هناك هوة كبيرة بين الجماهير وملايين المسؤولين أصحاب الامتيازات وزوجاتهم وأطفالهم بملابسهم الأنيقة وسياراتهم الفارهة وشققهم المريحة، وصار التفاوت أكثر وضوحاً ومتناقضاً مع الدعاية الرسمية عن الاشتراكية والشيوعية.

كانت البيروقراطية التي حذر منها لينين دائماً بمثابة كابح لتطور القوى المنتجة.. وكانت قد فرضت تكاليف الحفاظ على مستويات عالية من الإنفاق العسكري وتكاليف استمرار التحكم في أوربا الشرقية المزيد من الضغوط على الاقتصاد السوفيتي، وأصبح الاتحاد السوفيتي في أزمة، فقد أصبح عاجزاً عن تحقيق نتائج أفضل من الرأسمالية وصار محكوماً عليه بالانحطاط والتخلف، وبدأت الثورة المضادة في التحرك بعد ما بدأت المكتسبات الاجتماعية التقدمية في التفكك.

إن ما فشل في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية لم يكن الشيوعية أو الاشتراكية، بل كاريكاتير بيروقراطية وشمولي، لقد أوضح لينين أن الحركة نحو الاشتراكية تتطلب الرقابة الديمقراطية على الصناعة والمجتمع والدولة من طرف البروليتاريا. إن الاشتراكية الحقيقية لا تتفق مع حكم نخبة بيروقراطية متميزة، لأنه سيصاحبها حتماً الفساد الهائل والمحسوبية والتبذير وسوء الإدارة والفوضى. كانت العودة نحو الرأسمالية تعني في هذه السنوات خطوة كبيرة إلى الوراء بالنسبة للشعب الروسي وجمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا دفع المجتمع مرة أخرى إلى الوراء وكان عليه أن يتعلم كل (نِعم) الحضارة الرأسمالية: الدَّين والبغاء والمخدرات،

وجميع (بركات) الرأسمالية الأخرى مجرد وهم مثلها مثل ذلك الكوخ في الخرافة الروسية مبنية فوق سيقان الدجاج.

إن نقطة ضعف الرأسمالية الروسية اليوم هي أنها مرتبطة بحبل سري بمصير الرأسمالية العالمية المتوحشة التي تحفر قبرها بيديها في أزمتها التاريخية.. وسوف يتعافى العمال والثوريون الماركسيون اللينينيون من آثار الهزيمة وينتقلون إلى الفعل الثوري الحقيقي المنظم ويعيدون ثورات بعد اكتشافهم تقاليد ثورة أكتوبر وأفكار ماركس ولينين السبيل الوحيد للمضي قدما في عالمنا اليوم نحو التقدم والقضاء على النظام الرأسمالي، وهذه حتمية التاريخ.

العدد 1221 - 28/10/2026