حلف مكة يتحـرك للسعودية..  فمن يتحـرك لغـزة واليمـن؟

سامر النمر:

يكشف التصعيد الجديد في اليمن حقيقة مؤلمة عن النظام الإقليمي العربي: عندما تتعرض دولة غنية وقوية لهجمات تهدد حدودها ومطاراتها ومنشآتها النفطية، تتحرك التحالفات بسرعة، وتُستدعى الطائرات والدفاعات الجوية والخبراء. أما عندما تُباد غزة ويُحاصر أهلها ويُقتل الأطفال والنساء، أو عندما يُترك اليمنيون لسنوات تحت القصف والجوع والمرض، فلا يظهر تحالف عربي أو إسلامي يمتلك الإرادة نفسها لوقف العدوان. هذه ليست مبالغة عاطفية، بل مفارقة سياسية صارخة.

ينص «حلف مكة» الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان في اتفاق وُقّع في 7 آب/ أغسطس2026 على أن الهجوم على دولة عضو يُعد هجوماً على الدول الثلاث، وقد فُعّل الاتفاق بعد هجمات شنها الحوثيون على أهداف داخل السعودية، بالتزامن مع هجوم للقوات الموالية للحكومة اليمنية، بدعم جوي سعودي، لاستعادة مواقع قرب الساحل الغربي وباب المندب ووفق ما أعلنته الدول الثلاث، فإنها تستعد لتوفير قوات وقدرات عسكرية ونشرها سريعاً في السعودية .

تقول التقارير إن الدعم التركي يتركز في المعدات والأنظمة الدفاعية وتبادل المعلومات الاستخباراتية والمساندة اللوجستية، مع حديث عن مساعدة في تشغيل الطائرات المسيّرة والتخطيط العسكري. كما أشارت تقارير إلى تعاون باكستاني عسكري مع الرياض. وتؤكد هذه الخطوات أن الاتفاق لم يبقَ شعاراً سياسياً، بل بدأ يتحول إلى مظلة أمنية لحماية السعودية ومصالحها الاستراتيجية.

غير أن السؤال الأخلاقي والسياسي الذي يفرض نفسه هو: لماذا تحرك هذا الحلف لحماية السعودية، ولم يتحرك مثله لحماية غزة؟ لماذا تُعامل الصواريخ التي تصل إلى مطار سعودي باعتبارها اعتداءً على الجميع، بينما لا تُعامل آلاف الغارات الإسرائيلية على المنازل والمستشفيات والمدارس باعتبارها اعتداءً على الأمة العربية والإسلامية؟ ولماذا يصبح أمن الحدود والمنشآت النفطية قضية تستحق الردع، بينما تتحول حياة الفلسطينيين إلى بيانات إدانة ومساعدات محدودة؟

إن إسرائيل تتحمل المسؤولية الأساسية عن الكارثة في غزة. فهي تواصل استخدام القوة المفرطة، وتدمير البنية المدنية، وفرض الحصار، وحرمان السكان من الغذاء والدواء والمأوى. وقد وثقت الأمم المتحدة حجم الخسائر الإنسانية، مع الإشارة إلى أن أرقام الضحايا التي تقدمها وزارة الصحة في غزة لم تتحقق منها المنظمة بصورة مستقلة في كل الحالات، لكنها تعكس مأساة هائلة لا يمكن إنكارها الأمم المتحدة. إن قتل المدنيين وتجويعهم وتهجيرهم لا يمكن تبريره بشعارات الأمن، ولا يجوز أن تمنح إسرائيل حصانة سياسية لأنها تحظى بدعم الولايات المتحدة وحلفائها.

لكن مسؤولية الدول العربية ليست أقل إيلاماً. فقد اكتفت معظم الحكومات بالبيانات والقمم والمناشدات، بينما استمرت العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع إسرائيل بدرجات مختلفة. لم تستخدم هذه الدول ثقلها في الطاقة والتجارة والموانئ والعلاقات الدولية لفرض وقف حقيقي للحرب. ولم تبنِ قوة ردع أو آلية حماية جماعية للفلسطينيين. والنتيجة أن إسرائيل فهمت الرسالة: يمكنها مواصلة الحرب ما دامت الكلفة السياسية محدودة، وما دام الانقسام العربي أعمق من الغضب الشعبي.

أما اليمن، فقد دفع ثمناً باهظاً لحرب تحولت إلى صراع إقليمي. لا يجوز تبرير هجمات الحوثيين على المدنيين والمنشآت، لكن لا يجوز أيضاً استخدام هذه الهجمات ذريعة لتوسيع القصف وإعادة إنتاج المأساة. فبحسب منظمة العفو الدولية، أدت الغارات السعودية الأخيرة إلى مقتل مدنيين وإصابة آخرين، فيما يواجه 18.3 مليون يمني انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، ويعاني ملايين الأطفال والنساء من سوء التغذية منظمة العفو الدولية. اليمن ليس ساحة اختبار للسلاح، ولا ورقة تفاوض بين الرياض وطهران، ولا خطراً يمكن سحقه بالقوة الجوية.

الانتقاد الموجه إلى «حلف مكة» لا يعني إنكار حق السعودية في حماية سكانها، بل يرفض ازدواجية المعايير. إذا كان مبدأ الدفاع المشترك مقدساً، فيجب أن يشمل حماية المدنيين في اليمن وغزة، لا حماية دولة واحدة حين تتعرض مصالحها للخطر. وإذا كان الحلف يريد أن يقدم نفسه بوصفه مشروعاً للأمن الإقليمي، فعليه أن يثبت أن حياة العربي، فلسطينياً كان أم يمنياً، تساوي حياة المواطن في أي دولة عضو.

إن ما تحتاجه المنطقة ليس مزيداً من الأحلاف العسكرية التي تحمي الأنظمة وتترك الشعوب تحت النار، بل منظومة عدالة ووقف فوري للقتل والحصار، ومحاسبة إسرائيل على جرائمها، ووقف القصف على اليمن، وفتح طريق سياسي يضمن لليمنيين تقرير مستقبلهم بعيداً عن الوصاية الخارجية. إن الصمت العربي أمام غزة، والتصعيد في اليمن، يكشفان أن المشكلة ليست نقص السلاح، بل غياب الإرادة. وعندما تصبح حماية النفط أسرع من حماية الأطفال، فإن الخلل لا يكون في ميزان القوة فقط، بل في ميزان الأخلاق أيضاً.

 

المراجع:

1- وكالة رويترز

2- مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية

3- منظمة العفو الدولية

العدد 1220 - 21/10/2026