القواعد الأمريكية في اليابان.. من انتهاك كرامة السكان إلى مفارقات التاريخ

سامر النمر:

تحالف استراتيجي تحيط به أسئلة العدالة والمحاسبة، وجرائم تهز المجتمع الياباني، واحتجاجات رسمية تتجدد كلما عادت المأساة إلى الواجهة.

 

خمسون ألف جندي وأسئلة الأمن

تستضيف اليابان نحو خمسين ألف عسكري أمريكي، يتمركز عدد كبير منهم في جزيرة أوكيناوا، التي أصبحت بؤرة للتوتر بين السكان المحليين والقوات الأمريكية. ولا يقتصر الجدل على الأعباء العسكرية والبيئية، بل يمتد إلى جرائم ارتكبها بعض العسكريين، بينها اعتداءات جنسية أثارت غضباً شعبياً واسعاً.

فكيف يمكن لتحالف يُقدَّم باعتباره ضمانة للأمن أن يستمر وسط شعور قطاعات من السكان بأن أمنهم وكرامتهم لا يحظيان بالحماية الكافية؟

 

1995: طفلة في الثانية عشرة تفجّر الغضب

في الرابع من أيلول (سبتمبر) 1995، اختطف ثلاثة عسكريين أمريكيين فتاة يابانية تبلغ اثني عشر عاماً واعتدوا عليها جنسياً. وأُدين الثلاثة لاحقاً وصدر بحقهم أحكام بالسجن.

أشعلت الجريمة موجة غضب في أوكيناوا، بلغت ذروتها في 21 تشرين الأول (أكتوبر)، عندما شارك نحو 85 ألف شخص، وفق منظمي التجمع، في احتجاج ضد الوجود العسكري الأمريكي.

لم يكن الغضب متعلقاً بالجريمة وحدها، بل أيضاً بصعوبة تسليم المشتبه بهم إلى السلطات اليابانية قبل توجيه الاتهام رسمياً، وفق الاتفاقية التي تنظم وضع القوات الأمريكية في اليابان.

وأدت الأزمة إلى اتفاق جديد بين طوكيو وواشنطن بشأن تسليم المشتبه بهم في ظروف معينة قبل توجيه الاتهام، لكنها تركت جرحاً عميقاً في العلاقة بين السكان والقواعد العسكرية.

2016: اغتصاب شابة وقتلها

في عام 2016، عُثر على جثة امرأة يابانية تبلغ عشرين عاماً بعد اختفائها في أوكيناوا. وأُدين كينيث شينزاتو، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأمريكية كان يعمل مدنياً لدى جهة متعاقدة مع الجيش، بجرائم الاغتصاب والقتل والتخلص من الجثة. وفي كانون الأول (ديسمبر) 2017، حُكم عليه بالسجن المؤبد.

أعادت الجريمة ذكريات مأساة 1995، وجدّدت المطالب بمحاسبة المتورطين وتعزيز حماية السكان. كما أكدت أن الغضب المحلي ليس حادثة عابرة، بل نتيجة تراكم طويل من المخاوف المتعلقة بالوجود العسكري.

 

احتجاجات رسمية وجرائم متجددة

لم تتوقف القضايا عند هاتين الحادثتين. ففي عام 2024، أُعلنت قضايا اعتداء جنسي تورط فيها أفراد من القوات الأمريكية، بينها قضية عسكري اتُّهم بالاعتداء الجنسي على فتاة قاصر، وأخرى تتعلق بامرأة شابة.

وأعربت الحكومة اليابانية عن احتجاجها لدى الجانب الأمريكي، مطالبة بتعزيز الانضباط واتخاذ تدابير تمنع تكرار الجرائم. كما صدرت احتجاجات ومطالبات من سلطات أوكيناوا المحلية.

وتكشف هذه الوقائع أن المشكلة ليست مجرد اتهامات عامة، بل قضايا محددة دفعت السلطات اليابانية إلى التحرك رسمياً. ومع ذلك، يبقى السؤال: لماذا تتكرر المطالب نفسها رغم الوعود المتعاقبة؟

إن الاحتجاج الدبلوماسي خطوة ضرورية، لكنه لا يكفي ما لم يترافق مع محاسبة قانونية عادلة، وشفافية في التعامل مع القضايا، وإجراءات وقائية فعالة تحمي السكان.

المفارقة التاريخية: هل أجبر الاتحاد السوفييتي واشنطن على قصف اليابان؟

ومن مفارقات السجال الإعلامي والتاريخي تناول الرواية القائلة إن دخول الاتحاد السوفييتي الحرب ضد اليابان هو الذي دفع الولايات المتحدة إلى إسقاط القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي عام 1945 .

ففي آب (أغسطس) من ذلك العام، قصفت الولايات المتحدة هيروشيما في السادس من أغسطس وناغازاكي في التاسع منه، بينما أعلن الاتحاد السوفييتي الحرب على اليابان وبدأ هجومه في منشوريا في التاسع من أغسطس.

يرى بعض المؤرخين أن واشنطن أرادت إنهاء الحرب سريعاً، وأنها أخذت في الحسبان أيضاً ميزان القوى مع موسكو ومستقبل النفوذ في آسيا، ويرى آخرون أن الإدارة الأمريكية اعتقدت أن القنابل ستجبر القيادة اليابانية على الاستسلام وتجنب استمرار الحرب.

لذلك فإن القول إن الاتحاد السوفييتي (أجبر) الولايات المتحدة على إسقاط القنابل تبسيط لتاريخ معقد؛ فقرار القصف كان أمريكياً، ودوافعه وآثاره ما زالت موضع نقاش بين المؤرخين.

لكن المفارقة الأوسع تظل قائمة: حين تُقدَّم القنابل الذرية بوصفها وسيلة لإنهاء الحرب وحماية الأرواح، لا يجوز أن تُمحى من الذاكرة معاناة المدنيين الذين دفعوا ثمن القرار.

من يحمي سكان أوكيناوا؟

لا تعني هذه الوقائع أن جميع الجنود الأمريكيين مسؤولون عن الجرائم التي ارتكبها بعضهم، لكنها تفرض مساءلة جدية عن فعالية إجراءات الوقاية والمحاسبة.

إن التحالفات لا تُقاس بالقواعد والأسلحة وحدها، بل بمدى احترامها للقانون وحقوق الإنسان. وإذا كانت اليابان ترى في التحالف الأمريكي ضرورة استراتيجية، فإن ذلك لا يعفي واشنطن من مسؤولياتها، ولا يعفي طوكيو من واجب حماية مواطنيها.

فما قيمة الأمن الاستراتيجي إذا ظل السكان يخشون على أبنائهم وبناتهم، وما قيمة بيانات الأسف إذا تكررت المآسي؟ إن العدالة وحماية المدنيين ليستا تفصيلاً ثانوياً في أي تحالف، بل شرطاً أساسياً لاستمرار الثقة فيه.

 

المصادر:

تقرير The Washington Post –عن جريمة 1995 والاحتجاجات: تغطية جريمة أوكيناوا عام 1995 .

تقرير CBS News / Associated Press -عن إدانة شينزاتو عام 2017: قضية الاغتصاب والقتل عام 2016 .

-وزارة الخارجية اليابانية بشأن طلبات الجانب الياباني من الولايات المتحدة: بيان وزارة الخارجية اليابانية .

-وزارة الخارجية الأمريكية عن دوافع قرار القصف الذري والجدل التاريخي حوله: الخلفية التاريخية للقنابل الذرية .

العدد 1220 - 21/10/2026