قراءة في “إعلان نيودلهي”- ما يخصّ سورية

علي شوكت:

في الثالث عشر من أيلول 2026 اختتمت القمة الثامنة عشرة لمجموعة بريكس في نيودلهي تحت شعار (تعزيز التعددية العادلة) وصدر (إعلان نيودلهي) في موعده. وبعيداً عن النقاشات المكثفة حول إصلاح النظام النقدي الدولي وحوكمة الذكاء الاصطناعي وأمن سلاسل التوريد، ورد اسم سورية في الوثيقة الختامية. ولمن يتابعون الشأن السوري منذ فترة طويلة، فهذا المشهد ليس بجديد فمنذ 2011 كادت كل قمة دولية كبرى أن تعيد في أحد بنودها التأكيد على (الالتزام بسيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها).

لكن قمة نيودلهي 2026 تختلف عن سابقاتها. فنظام الأسد سقط منذ ما يقارب عامين، والحاكم اليوم في دمشق هو أحمد الشرع الذي كانت الأمم المتحدة قد أدرجت تنظيمه السابق على قوائم الإرهاب. وإعادة بريكس التأكيد على (التزاماتها) تجاه سورية في هذه اللحظة بالتحديد تحمل دلالات أعمق بكثير من ظاهر النص. وهنا يجب أن نطرح  سؤالاً محورياً:

هل يشكّل البند السوري في (إعلان نيودلهي) إطاراً سياسياً قابلاً للتنفيذ، أم مجرد حد أدنى من التوافق الدبلوماسي؟

والإجابة تتطلب قراءة مزدوجة: قراءة في النص، وقراءة في السياق.

 

أولاً- ماذا قال الإعلان فعلاً؟

وفقاً لما نقلته وكالة تاس والوكالة العربية السورية للأنباء، تضمّن البند الخاص بسورية في (إعلان نيودلهي) العناصر الجوهرية التالية:

١- إعادة التأكيد على الالتزام بسيادة سورية واستقلالها ووحدتها وسلامة أراضيها.

٢- الدعوة إلى انتقال سياسي سلمي وشامل يضمن أمن المدنيين وحقوق جميع مكونات المجتمع.

٣- حث المجتمع الدولي على دعم إعادة الإعمار والتعافي بعد انتهاء الصراع.

٤- دعم عملية سياسية سورية شاملة بقيادة سورية بتيسير من الأمم المتحدة ووفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 2254.

٤- تشديد دول بريكس مجدداً على ضرورة انسحاب قوات الاحتلال من سورية.

هذه الصياغات تبدو شاملة لكنّها في الواقع نتاج موازنة دقيقة. الملاحظ أن الإعلان عند حديثه عن العملية السياسية استخدم عبارات مثل (شاملة) و(جميع المكونات السياسية والاجتماعية) بدلاً من صيغ كانت أكثر شيوعاً في بيانات سابقة مثل (تغيير النظام) أو (المساءلة). بعبارة أخرى تعيد بريكس الملف السوري ضمن إطار (الاستقرار أولاً).

 

ثانياً-  قوة الإعلان.. رصيد دبلوماسي وشرعية إضافية

تكمن القيمة الإيجابية للإعلان في كونه يمنح حكومة الشرع طبقة إضافية من الشرعية الدولية. فإعادة بريكس، وخاصة الصين والهند القوتين الكبريين الأكثر تحفظاً تجاه الملف السوري، التأكيد جماعياً على دعم سيادة سورية وإعادة إعمارها بحيث تمثل اعترافاً متعدد الأطراف بشرعية الحكومة الانتقالية.

وقد استقبلت الصين في تشرين الثاني 2025 وزير خارجية الحكومة الانتقالية السورية الشيباني، وأكد وزير الخارجية وانغ يي، آنذاك، أن (الصين مستعدة للنظر بإيجابية في المشاركة في إعادة الإعمار الاقتصادي لسورية).

ويمكن اعتبار هذا البند في إطار بريكس امتداداً متعدد الأطراف لهذا التواصل. كما أن الإعلان يثبت أن حكومة دمشق ليست معزولة دولياً وأن مجموعة بريكس بصفتها ممثلة (الجنوب العالمي) مستعدة للاعتراف بشرعيتها على مستوى الوثائق على أقل تقدير.

 

ثالثاً- حدود الإعلان.. الفجوة بين النص والتنفيذ

على المستوى العملي لا يتضمن هذا الإعلان أي آلية تنفيذية. لا التزامات مالية ولا جدولاً زمنياً لرفع العقوبات ولا ترتيبات لحفظ السلام أو المراقبة. فبريكس ليست مجلس أمن ولا تملك قوة إلزام. وعبارة (حث المجتمع الدولي على دعم إعادة الإعمار) تحوّل المسؤولية فعلياً إلى (المجتمع الدولي) ككيان غامض دون أن تقدّم الدول الأعضاء في بريكس نفسها أي التزامات محددة.

والأكثر مفارقة أن عبارة (انسحاب قوات الاحتلال) في الإعلان تظل غامضة الدلالة في السياق السوري الراهن. فبعد سحب الولايات المتحدة لقواتها من شمال شرق سورية في آذار 2026 لم يتبقّ سوى قوات عسكرية تركية وروسية، كما أن لإسرائيل عمليات عسكرية مستمرة في الجنوب، وما تزال تحتل أجزاء من الجنوب السوري في الجولان. والسؤال: أي (قوات احتلال) يقصدها هذا النداء؟

فالجميع يفهم الإشارة دون تصريح.

 

رابعاً- الواقع المعقد الذي يخفيه خطاب (السيادة)

أكثر ما يستحق التأمل في (إعلان نيودلهي) هو ما اختار التركيز عليه وما تجنّب الخوض فيه. يشدّد الإعلان على (السيادة) و(السلامة الإقليمية) وهما المبدآن الوحيدان اللذان تستطيع كل القوى الخارجية الاتفاق عليهما في الملف السوري. روسيا تستخدمهما لتبرير وجودها العسكري، والولايات المتحدة تستخدمهما لتمهيد الطريق للتدخل الاقتصادي بعد رفع العقوبات، والصين تستخدمهما لحجز مساحة للتعاون في إعادة الإعمار ضمن إطار (الحزام والطريق).

لكن بالنسبة للسوريين (السيادة) مفهوم يُستشهد به مراراً وتكراراً لكنه لم يتحقق فعلياً قط. فالغارات والانتهاكات الإسرائيلية لم تتوقف بسبب أي بيان دولي حتى الآن. ففي أيلول 2026 واصلت القوات الإسرائيلية قصفها ومداهماتها في محافظة القنيطرة، ودخلت قرى وفتشت منازل وأقامت حواجز مؤقتة. وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو من على قمة جبل الشيخ أن إسرائيل تسيطر (من جبل الشيخ إلى نهر اليرموك) بشكل (غير مسبوق).

كما يدعو الإعلان إلى (مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله). وهذا البند له ثقل خاص في السياق السوري. فالشرع نفسه كان قائداً سابقاً في فرع (القاعدة) وتنظيمه (هيئة تحرير الشام) لم يُرفع من قائمة التنظيمات الإرهابية الأمريكية إلا في آب 2026. وتدعو بريكس في إعلانها إلى مكافحة الإرهاب بعبارات عامة دون ذكر أي تنظيم أو فاعل محدد. وهذا الغموض بحد ذاته خيار سياسي.

 

خامساً- سورية بين إرادات القوى الخارجية

صدر هذا الإعلان في توقيت يجب فهمه ضمن سياق التحولات الجيوسياسية الأوسع. فقد أعاد سقوط نظام الأسد تشكيل البيئة الخارجية لسورية. ومرّ الوجود العسكري الروسي في سورية بمفاوضات طويلة انتهت في آب 2026 بمذكرة تفاهم تحتفظ بموجبها روسيا بوجود محدود في حميميم وطرطوس، لكن القواعد العسكرية ستتحول إلى مراكز تدريب مشتركة وتُسلَم المنشآت المدنية إلى الحكومة السورية. وهذا يعني أن موسكو انتقلت من موقع (حامي الأسد) إلى موقع (مستأجر) مضطر لإعادة التفاوض.

أما وضع إيران فهو أكثر تهميشاً. فقد صرّح وزير الخارجية الإيراني عراقجي بوضوح أن طهران (لن تتواصل مع الحكومة السورية الحالية) بانتظار أن (تضمن الأمن وتستعيد النظام). ورغم أن الجانب الإيراني أقر بتلقيه رسائل غير مباشرة من دمشق وأبدى موقفاً (غير مستعجل)، فإن نفوذ طهران في سورية تقلّص بشكل كبير.

أما القوة التي تقدّم دعماً مادياً حقيقياً لحكومة الشرع فهي واشنطن. فقد رفعت إدارة ترامب العقوبات عن سورية بشكل منهجي منذ 2025، وبضمن ذلك إلغاء (قانون قيصر) ورفع سورية من قائمة (الدول الراعية للإرهاب). وتوقيت هذه الإجراءات يشكّل صدىً مثيراً للاهتمام مع قمة بريكس. فبينما تعيد الولايات المتحدة تشكيل البيئة الاقتصادية الخارجية لسورية، تتدخل بريكس في نيودلهي في الملف نفسه تحت شعار (السيادة) و(إعادة الإعمار).

 

 

ماذا تعني السيادة فعلاً؟

البند السوري في (إعلان نيودلهي) هو في جوهره وثيقة حدّ أدنى من التوافق. فهو يعكس أقصى ما تستطيع بريكس الاتفاق عليه في الملف السوري دعم السيادة ودعم إعادة الإعمار ودعم العملية السياسية. لكنه يعكس أيضاً ما لا تستطيع بريكس أو لا ترغب في الخوض فيه فمن يقود تمويل إعادة الإعمار؟ ومن يجب أن يتحمّل مسؤولية الحرب الماضية؟ ومتى وكيف ينتهي الوجود العسكري الخارجي؟

بالنسبة لحكومة الشرع في دمشق، يمثّل هذا الإعلان رصيداً دبلوماسياً مفيداً. فهو يثبت أن حكومتها ليست معزولة دولياً وأن مجموعة بريكس بصفتها ممثلة (الجنوب العالمي) مستعدة للاعتراف بشرعيتها ربما على المستوى السياسي او الدبلوماسي ولكن الدعم على الورق لا يعوّض عن التمويل والتكنولوجيا والضمانات الأمنية على أرض الواقع.

وحين يتحول إعلان نيودلهي إلى أرشيف ستبقى دمشق أمام السؤال القديم نفسه، في بلد تتشابك فيه تدخلات قوى خارجية متعددة:

ماذا تعني السيادة فعلاً؟

لقد قدّمت بريكس إجابتها.

أما هل يقبل السوريون بها، فتلك حكاية أخرى.

العدد 1216 - 23/09/2026