فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

د.أحمد ديركي:

إذاً الصهيونية كانت منتشرة، أو في بدايات تأسيس انتشارها في روسيا واستمرت بالانتشار خلال ثورة أكتوبر. هدفها جذب كل من يدين بالديانة اليهودية ليكون عضواً فيها وليدعم أو يهاجر إلى فلسطين، فيزداد عدد الصهاينة في الحركة وفي فلسطين.

ما هو واضح من هذا أن الصهيونية حركة دينية عنصرية تعمل على جذب أصحاب دين معين لينفصلوا عن نضالات الطبقة العاملة التي كانت تعمل على توحيد صفوفها لإسقاط البرجوازية. فهي حركة ضد النضال الطبقي، وتحديداً نضال الطبقة العاملة، وإن تقنعت هذه الحركة العنصرية بقناع الداعم للحركة العمالية. فالصهيونية حركة عنصرية تضرب وحدة الطبقة العاملة من خلال تلاعبها بالمفهوم الديني، فتهد ليس فقط وحدة الطبقة العاملة أينما وجدت، بل تضرب كل الأفكار التحررية حتى تلك الأفكار التي تستغلها البرجوازية لخدمتها، ومنها مثلاً مفهوم الدولة. فالدولة بالمفهوم الحديث هي دولة لا دينية، وإن كانت بالمضمون أداة في يد الطبقة البرجوازية.

لذا الكيان الصهيوني المدعوم من الطبقة البرجوازية كافة ومن كل تفرعاتها لا يمكنه الصمود أو البقاء من دون دعمها.

ومثال آخر يتعلق بمفهوم الديمقراطية، وبخاصة باعتبار أن الديمقراطية والدولة بالمفاهيم الحديثة، التي أوجدها نمط الإنتاج الرأسمالي، لا ينفصلان. فهل يمكن للديمقراطية ان تنوجد ضمن الدولة الدينية، التي هي بالأساس ليست دولة بالمفهوم الحديث؟

بالتأكيد لا يمكن لأن الدولة الدينية تنفي مصطلح مواطن، وهذا ما يحدث في فلسطين المحتلة من قبل الكيان الصهيوني. وقس على بقية المفاهيم وجميعها يؤكد أن الصهيونية حركة عنصرية لا يمكنها الانوجاد إلا بدعم من الطبقة البرجوازية، فلينين لم ينتقد الحركة فقط، الحركة التي عملت على تشكيل (البوند) لضرب الحركة العمالية الأممية، بل عمل أيضاً على محاربتها، ففي سنة 1908 في دورة المكتب الاشتراكي الأممي في بروكسل، وقف لينين بحزم ضد قبول الصهيونيين الاشتراكيين في الشعبة الفرعية الروسية للأممية، ونال موقفه تأييد جميع أعضاء المكتب، ورُفض دخول (الحزب العمالي الصهيوني الاشتراكي).

انطلق لينين في موقفه هذا (من الماركسية التي تقوم على أسس الأممية البروليتارية ووحدة الطبقة العاملة، كاشفاً الجوهر الرجعي للصهيونية المناقضة كلياً للماركسية، وكان أول ماركسي يفضح هذا الطابع للحركة الصهيونية. وأظهر أن الصهيونية هي تيار رجعي للبرجوازية اليهودية)- نهرا ص. 227

فمن يتتبع مسار تشكل الحركة الصهيونية تتجلى له صورتها العنصرية من دون أدنى جهد، سوى الجهد البحثي، ومن خلالها تتضح له صورة احتلال فلسطين من قبل هذا الكيان ودور هذه الحركة العنصرية في ضرب وتفتيت العالم العربي، ومدى الدعم الذي تتلقاه الحركة والكيان من قبل برجوازية العالم، وضمناً الأنظمة العربية الرجعية، للقيام بمهمة التفتيت للعالم العربي تسهيلاً لعمل البرجوازية بنهب ثرواته.

والأمر الآخر هو عدم إغفال دور الحركة الصهيونية العنصرية في الاستفادة من هذا الدعم لتمتين موقعها الطبقي وشبكة علاقاتها النفعية مع البرجوازية أينما وجدت هذه الطبقة ومهما اختلفت تسمياتها. أي كي لا نتوهم أن البرجوازية فقط تدعمها والصهيونية مجرد متلق لهذا الدعم، كلّا! فالأمر جدلي بينهما.

ما ذكره الرفيق موريس نهرا يعود إلى فترة ما بعد تأسيس هذه الحركة العنصرية. لكنه يعود إلى التأسيس فيقول:

فقد كان تأسيس المنظمة اليهودية العالمية عام 1897 أي أن الظروف التي وصلت فيها الرأسمالية إلى مرحلتها الامبريالية، وكان من مصلحة الدول الاستعمارية المتناقضة، إنكلترا وفرنسا وفيما بعد ألمانيا، إيجاد قاعدة ثابتة تستخدمها لحماية مصالحها الاستعمارية ومطامعها في السيطرة… ومن هذه المصلحة الموضوعية للدول الإمبريالية الكبرى، ومن الطبيعة الطبقية الرجعية… كانت ظاهرة الصهيونية، ومنظماتها العالمية، وبين الأسباب الهامة لتشكل المنظمة الصهيونية العالمية، إعادة وحدة اليهود، ومنع خروجهم من تحت سيطرة قادة الأسباط اليهود، وخصوصاً بعدما أخذ اشتداد التمايز الطبقي، والنضال العمالي الثوري، يؤديان إلى انهيار الأسباط اليهودية، ويدفعان الكثير من العمال اليهود إلى السير جنباً إلى جنب مع العمال الآخرين… نهرا ص. 228.

فقرة الرفيق نهرا دليل على مدى ارتباط ظهور الحركة الصهيونية بتطور نمط الإنتاج الرأسمالي، والهدف الأساسي من هذه الحركة العنصرية هو ضرب وحدة الطبقة العاملة وتشويه وعيها الطبقي من خلال تفتيتها بهكذا حركة دينية لتدخل في نسيج فكر الطبقة العاملة وتعمل على تشتتها وتفككها، والأصح منعها من الوصول إلى وحدتها الأممية لتقف كطبقة واعية ثورية موحدة في وجه مستغليها وهم الطبقة البرجوازية الموحدة الهدف، وهو استغلال الطبقة العاملة.

كما أن الحركة الصهيونية العنصرية لم تتوقف عند حدود الدين ليكون ركيزتها، بل عملت أيضاً على إيجاد كل ما يمكن استغلاله لتشويه الوعي الطبقي، وبخاصة تشويه وعي الطبقة العاملة، وتحفيز الفكر العنصري ليكون هو الأساس في وسيلة الجذب إليها، فهي بالأساس حركة برجوازية عنصرية لتصبح لاحقاً استيطانية استعمارية.

من هنا، (لم يحصروا (يقصد مفكري الصهيونية) المنطلقات الإيديولوجية لحركتهم بالدين فقط، فوضعوا مجموعة متنوعة أخرى من المبررات للتأثير في اليهود واجتذابهم إلى محجر قوي جديد بعد أن أخذوا يخرجون من المحجر السابق (الأسباط اليهودية) مثل وجود وتفوق (الأمة اليهودية العالمية) و(وحدة اليهود الثقافية) و(نمط تفكيرهم الخاص).. وغيرها من المزاعم التي أعدّت بعناية)- ص. 229

فقد تشابكت العوامل الدينية بالعوامل الدنيوية لتحفيز نشوء فكر عنصري يقوم من التمايز إلى الفرادة، كالفكر النازي. لكن الفارق بين الفكرين هو أن الفكر النازي لم يحتل ألمانيا لأنها أرضه، بينما الصهيوني احتل فلسطين ليقيم عليها هذا الكيان العنصري.

ومن ثم يعود الرفيق نهرا إلى لينين وصراعه مع هذه الحركة الصهيونية النصرية ويقول نهرا:

ويستشهد لينين في جداله مع (البونديين) الذين تسلحوا بعدد من آراء الصهيونية بألفرد ناكيه الذي يقول: هل يشكل اليهود شعباً خاصاً؟ بالرغم من أنهم كانوا بلا شك في الماضي السحيق شعباً، فإني أجيب عن هذا السؤال بـ(لا) قطعية. فلم يعد لدى اليهود لا أراضٍ ولا لغة مشتركة. إن اليهود الألمان والفرنسيين لا يشبهون أبداً اليهود البولونيين والروس. إن السمات المميزة لليهود لا تملك أي شيء يحمل سمة أمة… وأضاف لينين مؤيداً هذا الرأي (لم يبق لدى البونديين إلا أن يضعوا فكرة الأمة الخاصة لليهود الروس التي تشكل اللهجة الرطينة لغتها والحدود الحضارية أرضها. ص. 230.

وما هذا إلا تكذيب لذرائع الصهيونية بفرادة (الأمة) اليهودية. إضافة إلى أمر آخر وهو أن الدين لا يمكن أمة أو محصوراً بها وإن كان الدين نتاج أمة معينة. وهذه قضية بحثية أخرى إنما كان لا بد من الإشارة اليها.

بعد ما أورده الرفيق نهرا عن الصهيونية وموقف الفكر الماركسي-اللينيني منها، ومن أي حركة عنصرية مشابهة بالجوهر وإن اختلفت بالشكل، ليبين أنه فكر ضد كل حركة عنصرية لأن هكذا حركات تعيق توحيد نضال الطبقة العاملة لمواجهة عدوها الطبقي وهو الطبقة البرجوازية والدولة بمفهومها الحديث.

لكن قبل الذهاب إلى (المتاهة اللبنانية) الذي من خلاله يتبين مدى عنصرية هذه الحركة وعلى أنها مشروع استعماري استيطاني عمل وما زال يعمل على تزوير تاريخ فلسطين محاولاً إزالتها، أرضاً وشعباً، من الوجود والذاكرة والمستقبل.

وما دمنا قد ذكرنا نبذة عن هذه الحركة العنصرية كما أوردها الرفيق موريس نهرا سوف نكمل قليلاً مع طيب تيزيني، وتحديداً ما قاله في الصهيونية. كل أقواله مقتبسة من كتابه (فصول في الفكر السياسي العربي) من إصدار دار الفارابي، بيروت، الطبعة الثانية، 2004.

قارب تيزيني الصهيونية، في كتابه (فصول في الفكر السياسي العربي)، تحت عنوان (ملاحظات حول مسألة الجذور التاريخية الإيديولوجية (التوراتية) للصهيونية السياسية)، وهي كلمة له قدمها في ندوة عقدت في دمشق (حول الصهيونية) في آذار من عام 1988.

في البداية يحذرنا تيزيني من أن (البحث في الجذور التاريخية للصهيونية مسألة مربكة معقدة…) ص. 77

لنكون مستعدين لهذا التعقيد والإرباك. لكن لماذا هي بهذا (التركيب المعقد)؟

وفقاً للتيزيني يعود هذا، طبعاً في جانب من جوانبه، إلى أن الصهيونية نفسها تثير حول شخصيتها من الالتباس والغموض ما يجعلها في ذهن البعض ظاهرة مستعصية على البحث العلمي … ص. 77

أي أننا أمام أكثر من عقبة ومنها: الالتباس، الاستعصاء ولا إمكانية البحث العلمي فيها. وهي عوامل متشابكة يجعل الالتباس من الموضوع المدروس غير واضح، فتكون صورته ضبابية وهذه الضبابية المُغلفة للموضوع من خارجه تمنع (العلم) من الدخول إليه. إلا أن هذه المسألة (المركبة المعقدة) ليست موجودة عند الباحثين فيها، بل هي موجودة فقط (في ذهن البعض) ويبدو أن هذا (البعض) عمّم ذهنيته حتى يبدأ تيزيني في بحثه بالصهيونية بالتنبيه من أنها مسألة مركبة ومعقدة.

 

يتبع، وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني فالباب مفتوح لمن يود الاستكمال.

العدد 1211 - 19/08/2026