مشكلات التعليم في سورية

يونس كامل صالح:

يبدو لأول وهلة أن العلائق في العملية التعليمية محدودة، إذ يجري الحديث دوماً عن الطالب والمعلم والمنهج والطريقة والبناء المدرسي، إلا أن الحديث عن التعليم حالياً لم يعد محصوراً ضمن هذه الأبعاد المحددة، بل تعدّاها إلى عدد كبير من العوامل التي تؤثر على العملية التعليمية وتقودها إلى نتائج غير ظاهرة، لكنها محسوبة وواضحة ومتوقعة بالنسبة للمخطط الذي يرصد العملية من ألفها إلى يائها. ومن هذا المفهوم لم يعد ممكناً دراسة العملية التعليمية بمعزل عن الجوانب الأخرى كالتنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، التي تساهم سلباً أو إيجاباً في دفع العملية أو إعاقتها.

ولفهم طبيعة مشكلات العملية التعليمية عندنا، ينبغي التعرف إلى طبيعة البنى الاقتصادية والاجتماعية والدينية والبشرية كعوامل مؤثرة ومتأثرة. ومن هذا المنظور سوف أجمل الحديث عن مشكلات التعليم عندنا في تناول الأبعاد الرئيسية التالية:

 

١- الزيادة السكانية:

سجلت سورية زيادة كبيرة في نسبة المواليد بلغت بصورة متوسطة حوالي ٣%. وقد أصبحت هذه الزيادة تشكل خطراً على مستوى المعيشة للفرد، فقد قللت من زيادة نصيب استهلاك الفرد، وخصوصاً أن وتائر النمو في الاقتصاد هي معدومة أو أقل بكثير من وتائر زيادة السكان.

 

٢- الرسوب والتسرب:

يقصد بالرسوب الإعادة، ويقصد بالتسرب ترك الدراسة قبل إنهاء المرحلة، ولقد تعددت أسباب التسرب، فمنها ما هو فهمي ومنها ما هو اجتماعي، أو تربوي، أو بسبب الأزمة وما تمخض عنها من نتائج كارثية. إلا أن من أهم أسبابه الحاجة إلى الأطفال كقوى عاملة في مختلف المجالات.

 

٣- انتشار السكان والحياة الرعوية:

إن انتشار السكان وحياة التنقل الدائمة والموسمية لدى شريحة كبيرة من السكان في البلاد من المشكلات المهمة التي يعاني منها التعليم كما تعاني منها التنمية الاقتصادية، لأن إيصال الخدمات التعليمية وامتدادها إلى أماكن بعيدة عن المركز وغير مستقرة على غاية من الصعوبة.

 

٤- الأصالة والتحديث:

يواجه الشباب من المتخرجين الجدد كثيراً من الصعاب والمقاومة، وخاصة فيما يتعلق بالاستجابة لمتطلبات التطورات الحديثة التي تجري في العالم، وافتقار هؤلاء المتخرجين إلى هذه المتطلبات.

 

٥- إعداد المعلمين:

لقد وجدت بلادنا نفسها في حرج أمام التوسع في التعليم وشدة الإقبال عليه في الأعوام الماضية، فاضطرت إلى الاستعانة بكل الهيئات الموجودة في الوسط المحلي، وإن لم تكن مؤهلة للعملية التعليمية. ونشأ ما يسمى بعلم الضرورة. إلا أن إعداد معلمين مؤهلين للسير بالعملية التعليمية إلى غايتها المنشودة لم تؤد إلى نتائج كبيرة، رغم افتتاح معاهد إعداد للمعلمين. وبعضها لا يزال يعاني من تسرب المعلمين، سيما الطموحين منهم بسبب قلة الرواتب أو تكملة التحصيل العلمي وغيرها.

 

٦- الاتجاه الكمي والاتجاه النوعي:

لقد مرت سورية بحيرة من أمرها ولا تزال إزاء اتجاهين مختلفين. فهناك من يرى إلى الآن التوسع في التعليم وقبول كل الأطفال الذين هم في سن التعليم بغض النظر عن مدى الإمكانيات المتوفرة من معلم وكتاب ومختبر وبناية مدرسة، مما يتسبب في اكتظاظ الغرف بأعداد كبيرة من الطلاب ويتسبب في عدم استطاعة المعلم رعاية العملية التعليمية، فينخفض المستوى العلمي. أما الاتجاه الثاني فيرى أصحابه أنه من الخطأ أن تعد مواطناً ناقصاً، وأنه لا بد من الحفاظ على حد معين لائق من المستوى العلمي الذي يكفل إسهام المواطن في تنمية وبناء الوطن مستقبلاً. وبالرغم من منطقية الاتجاه الثاني في التعليم إلا أن وجود الأمية بنسبة كبيرة عندنا غلبت حتمية سلوك الاتجاه الأول رغم مساوئه.

 

٧- تطور التعليم:

بدأت الدول المتقدمة بتعميم قوانين التعليم الإلزامي للمدرسة الابتدائية ومضت به فشمل مراحل ثانية، ومن ثم التفتت إلى مكافحة الأمية بين الكبار في ظل ازدهار صناعي سريع، وأضحى التدريب ضرورة في عصر أصبحت التقنية خلاله في تطور مستمر، فنشأ ما يسمى بالتعليم الوظيفي. وأخيراً ظهر اصطلاح جديد، له من العمر سنوات عديدة وهو التعليم مدى الحياة لجميع الأعمار وبوسائل شتى. والمشكلة أن سورية وجدت وتجد نفسها إلى الآن أمام معالجة كل هذه المراحل. فهل تستطيع البلاد حالياً حل هذه المعضلة واللحاق بالركب الحضاري؟

 

٨- التعليم ومتطلبات العمالة:

لم يعد النظر إلى التعليم كما كان لدى الإغريق وغيرهم على أنه علم من أجل العلم أو أنه ترف يتمتع به الصفوة. وإنما ينظر الآن إلى الجانب العملي من التعليم. ومن هذا المفهوم فإن تخريج شاب مثقف ليس له مكان في خطة التنمية أصبح إهداراً للوقت ينبغي أن يعاد النظر فيه. كما أن الفيلسوف الذي وضعه أفلاطون في قمة حكومته المثالية لم يعد صالحاً الآن، بل أن المواطن الذي يستطيع إصلاح ثلاجته المعطلة أفضل منه في زمننا العاصفة.

 

٩- لغة التعليم:

واجهت سورية ولا تزال تواجه لغة التعليم، ذلك أن تطلعاتها إلى بناء شخصيتها أكد الحاجة إلى لغتها. ولذلك قامت بعملية التعريب التي تطلبت تسلسلاً زمنياً. وقد أفلحت في ذلك جزئياً، إلا أن التطور العاصف الذي يجري في العالم يحتاج إلى إعطاء اللغة مرونة أكبر، وتطويرها، وجعلها أكثر قابلية للتلاقي مع التطورات العلمية الكبيرة.

 

١٠- الأبنية المدرسية:

إن الأعداد المتزايدة سنوياً من الطلبة أدى إلى أزمة في الأبنية (وخاصة حالياً نتيجة تهدم الكثير من المدارس في مختلف المناطق السورية) ولم توجد إلى الآن أي خطط لتلافي هذا النقص في الأبنية المدرسية.

تمويل التعليم: كانت سورية تعاني من الهوة الكبيرة بين تطلعاتها في تحقيق أهداف عريضة للخطط التعليمية من جهة، وما تملكه من موارد مالية محدودة جداً من جهة أخرى. ولا يمكن حل تلك المشكلة دون تحقيق المتطلبات الضرورية لبناء الدولة الحديثة التي لا تزال غير محققة إلى الآن.

 

١١- مستقبل التعليم في البلاد:

نستطيع التعرف إلى ملامح التعليم المستقبلية من خلال معطيات الواقع الحالي للبلاد. فهناك زيادة في نسبة السكان ليس التحكم فيها أمراً ممكناً، وهناك نسب في الأمية ازدادت في الأزمة السورية، وهناك أيضاً ضآلة الموارد المالية في ظل وضع غير مستقر وفي ظل تضخم مالي لا شك سيؤثر على أي خطط للتنمية هذا إذا وجدت.

إن هذه المعطيات المؤلمة تجعل تصوراتنا للمستقبل باهتة، وتنبؤاتنا متشائمة، وذلك أن مشكلات التعليم المشار إليها في هذه المقالة سوف تبقى ملازمة للعملية التعليمية لفترة طويلة لا نستطيع تحديدها، وليس في هذا خيار.

وأخيراً لا أستطيع القول إنني أحطت بجميع مشكلات التعليم عندنا ولكن ربما أحطت ببعضها، وفي الختام لا بد من التأكيد أن حل هذه المشكلات يتطلب الرغبة والدافع والحافز لدى صناع القرار، هذا إذا أردنا أن نبني وطناً يقوم على العلم والمعرفة رغم كل الصعوبات والمتاعب التي تعترض هذا الطريق.

العدد 1211 - 19/08/2026