سورية من ساحة حرب بالوكالة إلى ساحة صراع نفوذ دولي وإقليمي مباشر

إبراهيم الحامد:

ما إن خرجت سورية من أتون حرب مدمرة استمرت سنوات طويلة، عبر تفاهمات إقليمية ودولية أفضت إلى إسقاط رأس السلطة السابقة وخروجه الآمن، حتى تسارع الحراك السياسي والدبلوماسي الإقليمي والدولي لإعادة ترتيب المشهد السوري وفق مصالح الأطراف المنخرطة في الصراع. تلك الأطراف التي كانت، بدرجات متفاوتة، جزءاً من الحرب على الأرض السورية، انتقلت من إدارة الصراع العسكري إلى إدارة مرحلة ما بعده، محاولةً توجيه مسار الحل السياسي بما ينسجم مع أجنداتها ومصالحها الاستراتيجية.

وفي خضم هذا التحول، جرى الالتفاف على جوهر العملية السياسية التي نص عليها القرار الدولي 2254، وتراجعت أدوار العديد من القوى السياسية الوطنية ومنصات المعارضة والحراك الداخلي المطالب بتغيير جذري يحقق تطلعات السوريين في الحرية والعدالة وبناء دولة المواطنة. كما بدا أن عملية الانتقال لم تمس بصورة حقيقية البنى العميقة للفساد وشبكات المصالح التي راكمت نفوذها خلال سنوات الحرب، بل أُعيد إنتاج قسم منها بأشكال جديدة وتحت مظلات مختلفة.

ولم يعد خافياً أن القوى الدولية والإقليمية المتصارعة على الساحة السورية تسعى اليوم إلى جني ثمار تدخلها الطويل، أو على الأقل الخروج بأكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والاقتصادية والجيوسياسية. ويعود ذلك إلى الأهمية الاستراتيجية لسورية، بوصفها عقدة جغرافية وسياسية في قلب الشرق الأوسط، وممراً حيوياً تتقاطع عنده مصالح الإقليم والعالم.

ويبدو أن الأطراف المنخرطة في الصراع السوري، سواء تلك التي دعمت السلطة السابقة أو تلك التي عملت على إسقاطها، قد وصلت في مرحلة ما إلى قناعة مشتركة مفادها أن الحرب لم تعد قابلة للحسم العسكري، وأن استمرارها يهدد مصالح الجميع. ومن هنا جاءت التفاهمات التي مهدت لمرحلة جديدة، لكنها لم تُنهِ التنافس على سورية، بل نقلته إلى مستوى مختلف.

غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل لبّت تلك التفاهمات مصالح السوريين وطموحاتهم بعد سنوات من الدمار والتشريد والانهيار الاقتصادي والاجتماعي؟ أم أنها كانت مجرد إعادة توزيع للأدوار والنفوذ بين القوى المتصارعة، فيما بقي الشعب السوري يدفع الثمن؟

لقد تحولت الأزمة السورية إلى عبء ثقيل على جميع الأطراف. فالعربة التي ساهمت قوى عديدة في تحميلها بالأزمات والصراعات بات من الصعب على أي طرف جرّها منفرداً أو التخلص من تبعاتها. وفي المقابل، تقف غالبية السوريين الذين صبروا طويلاً على الحرب والفقر والتشرد أمام واقع بالغ القسوة، فيما تتزايد مؤشرات الاحتقان الاجتماعي والسياسي التي تنذر بأن حالة الصمت الشعبي قد لا تستمر إلى ما لا نهاية.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة المصيرية: هل جاء الحراك الدولي والإقليمي الأخير استباقاً لتحولات كبرى في النظام الدولي تفرض على القوى الفاعلة إعادة تموضعها في المنطقة؟

وهل تسعى بعض القوى الإقليمية إلى تثبيت موقعها كشريك رئيسي في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد الذي تتشكل معالمه على وقع الصراعات والتفاهمات الدولية؟

وهل ترى بعض الدول، أن اللحظة الراهنة تمثل فرصة لتحقيق أهداف استراتيجية مؤجلة، سواء عبر توسيع نفوذها الإقليمي أو فرض تصوراتها الخاصة بشأن العلاقة السورية اللبنانية ومستقبل الأراضي السورية المحتلة في الجنوب والشمال، وحل قضية الشعب الكردي السوري ومعالجة التغيير الديمغرافي التي جرت في مناطقه؟

لكن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بالسلطة القائمة اليوم في دمشق: هل ستتعامل مع المرحلة الجديدة بعقلية مختلفة تستوعب دروس الماضي، وتعترف بأن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يتحقق من دون مشاركة السوريين جميعاً في رسم مستقبل بلادهم؟ أم أنها ستعيد إنتاج السياسات ذاتها التي قادت البلاد إلى الكارثة؟

إن تحسين علاقات سورية العربية والإقليمية والدولية يمثل ضرورة مهمة، لكنه يبقى أقل أهمية من إعادة بناء العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وتهيئة الظروف لعودة ملايين السوريين إلى وطنهم، وضمان مشاركتهم في تقرير مستقبله.

وتبقى المسؤولية التاريخية ملقاة على عاتق القوى الوطنية السورية، السياسية والاجتماعية، التي لم تنخرط في العنف الطائفي ولم تتورط في سفك الدم السوري أو نهب ثروات البلاد. فهذه القوى مطالبة اليوم بالعمل المشترك من أجل حماية وحدة البلاد وسيادتها، ورفض جميع أشكال الهيمنة والتدخل الخارجي، والسعي إلى بناء دولة المواطنة والقانون التي تضمن الحقوق المتساوية لجميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم القومية والدينية والثقافية.

إن مستقبل سورية لا يمكن أن يُبنى إلا عبر حوار وطني شامل يشارك فيه جميع أبناء الوطن، ويؤسس لدولة ديمقراطية حديثة لامركزية تقوم على العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة واحترام الحريات العامة وحقوق الإنسان.

وختاماً، فإن التحرير الحقيقي لا يقتصر على تحرير الأرض من الاحتلالات والتدخلات الخارجية، بل يشمل أيضاً تحرير الإنسان من الاستبداد والفقر والجهل والتهميش. وإذا كانت عملية التحرر الوطني شاقة ومعقدة، فإن التحدي الأكبر يكمن في الحفاظ على وحدة سورية ومجتمعها بعد انتهاء الصراع.

كما أن مستقبل الحقوق والحريات والديمقراطية في سورية سيبقى مرهوناً بقدرة السوريين على توظيفها في بناء مؤسسات وطنية جامعة، لا في إعادة إنتاج الانقسامات والصراعات التي أنهكت البلاد طوال السنوات الماضية.

ومن هنا، فإن استمرار أي طرف في احتكار السلطة أو إقصاء الآخرين لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج أسباب عدم الاستقرار، وتحويل البلاد مجدداً إلى ساحة مفتوحة للأزمات والانفجارات. أما طريق الخلاص، فيبدأ من تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفئوية الضيقة، والإدراك بأن جميع السوريين يستقلون السفينة ذاتها؛ فإن نجت نجا الجميع، وإن غرقت فلن ينجو أحد.

فيينا 27/6/2026

العدد 1204 - 01/07/2026