من القبيلة إلى المواطنة رحلة تشكُّل الدولة والمفاهيم السياسية
علي شوكت:
تعد مفاهيم الدولة والمواطنة والعلاقة بين الدين والسياسة من أكثر الإشكاليات الفلسفية والسياسية إلحاحاً في الفكر الإنساني المعاصر. فالإنسان كما قال أرسطو (كائن سياسي بطبعه) لا يستطيع العيش بمعزل عن تنظيم جماعي يضبط علاقاته مع الآخرين. لكن هذا التنظيم لم يولد مكتملاً بل قطع رحلة تمتد لآلاف السنين من القبيلة إلى الدولة القومية الحديثة، ومن الولاء للدم إلى الولاء للقانون والدستور.
مفهوم الدولة:
* العناصر والتحولات
الدولة في أبسط تعريفاتها كيان سياسي وقانوني يقوم على ثلاثة عناصر مادية الشعب المقيم على أرض محددة، والإقليم ذو الحدود المعترف بها، والسلطة التي تمارس السيادة الفعلية. غير أن هناك عنصراً رابعاً لا يقل أهمية ألا وهي السيادة أي قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها بإرادة حرة دون إملاءات خارجية.
لقد تطور مفهوم الدولة عبر الحضارات بدءاً من (الدولة المدينة) كأثينا وروما مروراً بـ(الدولة الإمبراطورية) الواسعة وصولاً إلى (الدولة القومية) التي تبلورت مع معاهدة وستفاليا عام 1648 وهي النموذج المسيطر عالمياً اليوم.
ما قبل الدولة
* القبيلة والمشيخة والمدينة
لم تنشأ الدولة من فراغ. سبقتها أنساق اجتماعية متنوعة ظلت قادرة على تنظيم حياة البشر لآلاف السنين. فالقبيلة أقدم هذه الأنماط قامت على روابط الدم والنسب وحكمتها الأعراف والتقاليد الشفهية. لكنها افتقرت إلى الحدود الثابتة والمؤسسات الرسمية.
تلا ذلك ظهور المشيخة كمجتمع هرمي أكبر. ثم المدن- الدول كأثينا التي شهدت أولى بذور مفهوم (المواطن) وإن كان حصرياً مقتصراً على فئة دون غيرها. وأخيراً الإمبراطوريات القديمة التي جمعت شعوباً متعددة لكنها افتقرت إلى السيادة الواضحة والمواطنة المتساوية.
الفرق الجوهري بين هذه الأنظمة والدولة الحديثة يتجلى في غياب السيادة المطلقة وعدم احتكار العنف وانعدام المواطنة القانونية المتساوية. والأهم أن هذه الأنظمة لم تختفِ تماماً بل لا تزال القبائل والمشيخات موجودة في مناطق من إفريقيا والجزيرة العربية تتفاعل -أحياناً بصعوبة- مع إطار الدولة القومية.
المواطنة:
* هل هي مدخل للدولة أم نتاج لها؟
هنا نصل إلى نقطة جدلية مركزية: هل المواطنة سابقة على الدولة أم أنها من صنعها؟
إذا نظرنا إلى التاريخ نجد بذوراً لفكرة المواطنة في أثينا القديمة، فقد كان (المواطن) فيها رجلاً حراً له حق المشاركة في الجمعية العمومية. لكن هذه المواطنة كانت استثنائية بامتياز، إذ استثنت العبيد والنساء والأجانب. تلك الجذور القديمة كانت مهداً لظهور المواطنة لكنها ليست المواطنة الحديثة. أما المواطنة الحديثة فهي نتاج الدولة القومية بامتياز.
فالدولة هي التي تحدد من هو المواطن عبر قوانين التجنيس والجنسية، وهي التي تلغي الولاءات التقليدية للقبيلة والعشيرة، وتستبدل بها وتُحِلُّ محلّها ولاءً واحداً مباشراً للدولة، وهي التي تعلن مبدأ المساواة النظرية بين جميع المواطنين أمام القانون.
إذاً العلاقة جدلية، الدولة تؤسس المواطنة بالمعنى العصري، والمواطنة تصبح مدخلاً للمشاركة الفاعلة في الدولة. لا مواطنة حديثة من دون دولة قومية. وحسب رأي لينين فإن الدولة القومية هي ليست هدفاً نهائياً للاشتراكية، بل اعتبرها وسيلة تاريخية ومدخلاً ضرورياً للتغلب على الإقطاعية وتحقيق تطور رأسمالي يمهد الطريق للثورة البروليتارية. كما أنه لا دولة تعيش من دون مواطنين يمنحونها الشرعية والاستمرار.
الصراع الأعمق:
* الدولة الدينية مقابل الدولة المدنية
إذا كانت المواطنة الحديثة نتاج الدولة، فكيف تختلف باختلاف طبيعة الدولة؟ هنا يأتي التباين الجذري.
الدولة الدينية (كالخلافة الإسلامية تاريخياً أو إيران والفاتيكان) تقوم على أن مصدر السلطة والتشريع هو النص الديني المقدس. القانون الإلهي هو المصدر الأعلى ورجال الدين يلعبون دوراً مباشراً في الحكم. شرعية الحكم تأتي من الإرادة الإلهية أولاً وتتقاطع الهوية السياسية مع الهوية الدينية.
الدولة المدنية (كفرنسا وألمانيا وتونس على سبيل المثال) تقوم على أن مصدر السلطة هو الإرادة الشعبية ممثلة بالدستور والقوانين التي يسنها برلمان منتخب. الدين هنا قد يكون مصدر إلهام أخلاقي لكنه ليس المصدر الملزم قانونياً. المواطنة هي الجامع الوحيد الذي يجمع مواطنين متساوين بالحقوق والواجبات بغض النظر عن معتقداتهم.
الإشكالية الكبرى لدينا: هل يمكن ان تكون هناك مواطنة متساوية في دولة دينية؟!
من منظور تحليلي، الإجابة تميل إلى الاستحالة النظرية والعملية. فالدين الذي تقوم عليه الدولة يرتب درجات متفاوتة للمواطنين (مؤمنين كاملي الحقوق وأهل ذمة لهم حقوق ناقصة) وهذا التراتب الديني يتعارض مع مبدأ المساواة المطلقة جوهر المواطنة الحديثة.
تاريخياً وحاضراً تفرض الدولة الدينية قيوداً على غير المؤمنين فلا يتولون منصب الحاكم وتختلف أحكام الميراث والشهادة ويدفع بعضهم ضرائب إضافية. وأفضل ما يمكن تقديمه في هذا الإطار هو (نظام الأقليات المحمية) حيث يتمتع غير المؤمنين بحقوق أساسية كحماية النفس والملكية. لكن هذا ليس مواطنة متساوية بل تسامح مشروط.
المواطنة المتساوية
في الدولة المدنية
على النقيض تماماً ففي الدولة المدنية لا تمثل المواطنة المتساوية مشكلة بل هي المبدأ التأسيسي. تتحقق عبر مرجعية مدنية وليس دينية للتشريع، مساواة قانونية مطلقة ينص عليها الدستور، والمواطنة هي الأساس بغض النظر عن الانتماء الديني، ووجود آليات تصحيح كقضاء مستقل وهيئات مناهضة للتمييز.
ويمكن أن نشير إلى أن (الدولة المدنية ليست بالضرورة علمانية).
وهنا نقطة بالغة الدقة، فكل دولة علمانية هي دولة مدنية، لكن ليس كل دولة مدنية هي علمانية.
الدولة العلمانية (كفرنسا مثلاً) تفصل تماماً بين مؤسسات الدين والدولة والدين ينتقل إلى المجال الخاص. الدولة محايدة تماماً تجاه كل الأديان، وقد تمنع الرموز الدينية في المؤسسات العامة.
الدولة المدنية (كألمانيا وتونس كمثال) تجعل المرجعية للإرادة الشعبية والقانون المدني. لكنها لا تشترط الفصل الكامل.
قد تدعم الدين كقيم أخلاقية أو تعترف بدين رسمي للدولة بشرط ألا يؤدي ذلك إلى التمييز.
هذا التمايز مهم جداً في السياق العربي، حيث مصطلح (الدولة المدنية) نشأ كحل وسط أقل إثارة للجدل من (العلمانية) التي قد تحمل إرثاً استعمارياً أو عداءً للدين في الذاكرة العربية.
إذاً أي نموذج نختار ويكون قابلاً للحياة؟
أنا شخصياً أفضّل الدولة العلمانية. لكن يجب أن نعلم أن المسألة ليست تمنّياً شخصياً، بل مطلب شعبي في بيئة مشرقية تقليدية.
لذا قد تكون الدولة المدنية التي تحترم الدين كقيمة مجتمعية وثقافية، لكنها تضع القانون والمواطنة المتساوية فوق كل اعتبار هي النموذج الأكثر توازناً للمجتمعات ذات التنوع الديني والثقافي.
الدولة الدينية مهما كانت نوايا قادتها تبقى أسيرة إطارها التراتبي. والدولة العلمانية الصارمة قد تشعر قطاعات واسعة من المجتمع المتدين بأنها مستبعدة أو معادية لثقافتهم.
المعضلة مفتوحة أمام كل مجتمع ليقرر توازنه بين الانتماء الديني الجماعي والمساواة الفردية في الحقوق. لكن الحقيقة أن النموذجين المتطرفين لا يمكن أن يوفّرا المواطنة المتساوية والشعور بالانتماء معاً. والحل الوسط هو الدولة المدنية الجامعة بين سيادة القانون واحترام التنوع.