حديث السوريين في مصياف… محطة ثالثة على درب الوحدة الوطنية
علي شوكت:
في مشهد يعيد تعريف معنى الوطن تواصلت في سورية لقاءات وطنية نوعية تحت مسمى «حديث السوريين» لم تكن مجرد فعاليات عابرة بل محطات متتالية في رحلة إنسانية وسياسية وثقافية أراد لها المشاركون أن تكون نموذجاً مصغراً لسورية التي يحلمون بها جامعة ومتسامحة و نابذة للفرقة ومؤمنة بالتنوع كقوة دافعة، لا كسبب للانقسام.

حطت رحال هذا الملتقى في مدينة مصياف خلال لقائه الثالث بعد أن انطلق من دير مار موسى الحبشي في النبك بريف دمشق ثم توجه إلى سرمدا في محافظة إدلب ليصل بعدها إلى مصياف التي احتضنت هذا التجمع الوطني بروحها الثقافية المعروفة و بطبيعتها الخلابة و شموخ جبالها الثرة. فهي لطالما كانت منبراً للفكر والجمال وملتقى لكل ما يجمع ونابذاً لكل ما يفرق.
وفي هذا الحضن الثقافي و المدينة الجميلة الراقية التي عُرفت باحتضانها للأدباء والفنانين والمثقفين الوطنيين تجمع حوالي 650 مشاركاً قدموا من أكثر من ثلاثين مدينة سورية، تنوعت مشاربهم الفكرية والدينية والسياسية لكنهم اتفقوا على أمر واحد أن سورية هي الجامع الأكبر.
جاء المشاركون من دمشق وريف دمشق، ومن السويداء ودرعا والقنيطرة، ومن حمص وحماة واللاذقية وطرطوس، ومن إدلب وحلب والرقة ودير الزور. حاملين في جعبتهم أفكاراً متعددة في الفكر والثقافة والاقتصاد والسياسة. لكنهم اجمعوا على نبذ التقوقع والإقصاء وهجران الآخر وقرروا أن لقاءهم هذا يعطي دفعة ونبضاً جديدين لبناء الهوية السورية الوطنية الجامعة.
وأكد المجتمعون أن الهوية الوطنية السورية هي الهوية الجامعة التي تسمو على أي انتماء فرعي ضيق وأن المواطنة المتساوية هي الأساس الذي يقوم عليه الوطن، وأن إدارة التنوع هي السبيل الأمثل للالتئام ولثم الجراح بعد سنوات الحرب والتهجير ومرارة الفقدان.
حيث تطرق الحاضرون إلى ضرورة دعم العدالة الانتقالية ضمن الأطر القانونية والعمل بكل جد لوضع المسار الوطني السوري على مساره الصحيح. وإعادة الروح والهوية الوطنية إلى أعلى مستوياتها مؤكدين أن اللقاء في مصياف ليس مجرد تجمع عابر بل هو نقطة تحول في مسار الحوار الوطني السوري وإعلان أن إرادة التلاقي أقوى من كل محاولات التقسيم والتناحر.
تخلل اللقاء حفل فني وحوارات ونقاشات ثرية، واختتمت بلحظة فارقة تمثلت بالتوقيع على خارطة سورية، تلك الخارطة التي يجتمع ضمنها كل السوريين على اختلاف مشاربهم و انتماءاتهم.
وكأن كل مشارك يضع يده على تراب بلده مؤكداً أن هذه الأرض للجميع و أن مستقبلها يصنعه الجميع معاً.
هكذا وعلى امتداد هذا المسار الوطني الذي انطلق من النبك مروراً بسرمدا وصولاً إلى مصياف أثبت السوريون أن روح الحوار ليست مرتبطة ببقعة جغرافية معينة بل هي حاجة وطنية عامة. وأن التنقل بين المحافظات يمنح هذه المبادرة شرعية شعبية واسعة ويجعلها نموذجاً مصغراً للدولة التي يتطلع إليها السوريون . دولة يحكمها القانون ويحمل همّها الجميع وتكون الهوية الوطنية فيها هي الغطاء الذي يحمي التنوع بدلاً من أن تطمسه.
وتبقى هذه اللقاءات المتتالية إشارة أمل قوية بأن إرادة السوريين في التلاقي أقوى من كل محاولات التشرذم وأن الطريق إلى سورية الجديدة يبدأ من الأرض لا من القاعات. ومن التنوع لا من التوحيد القسري.
فليبقَ هذا المسار مستمراً ولتتوالى اللقاءات في كل مدينة وقرية حتى تعود سورية إلى كل سوري ويعود كل سوري إلى سورية.