فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

د. أحمد ديركي:

نتوهم أن العدو متغيّر في نمط الإنتاج الرأسمالي. فهو تارة يأخذ صورة المستعمِر (بكسر الميم) المباشر كما في حالة الانتداب المباشر المشرعن في حينها من قِبل (عصبة الأمم)، وتارة بصورة المحتل المباشر، كما هو حال الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين، وهو أيضاً المشرعن من قِبل الأمم المتحدة، وتارة على أنه (النظام السياسي) القائم في الدول الأقل تطوراً رأسمالياً، لتظهر الأنظمة السياسية الأكثر تطور رأسمالياً وكأنها هي الأكثر (ديمقراطية)، فتغزو أفكار من هم دونها لينشروا فكرها.

أشكال وأنماط عدائية قاتلة لا تكترث لحياة الإنسان ولا لأي قيم إنسانية أو أخلاقية، القيمة الوحيدة لكل هذه الأنماط العدائية هي تحقيق المزيد من الأرباح. اقتل من تشاء بلا حسيب ولا رقيب، مهما تعدد اسم هذا الحسيب أو الرقيب فهو طوع إرداتنا نستخدمه ضد كل من يقف في وجه مصالحنا الاستعمارية، لتحقق المزيد من الأرباح.

الاستعمار هنا وإن كان فعلاً خارجياً. أي أن الدول صاحبة نمط الإنتاج الرأسمالي الأكثر تطوراً تحتل، بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، كل دولة أدنى تطوراً منها، وتحولها إلى مرتع خصب للاستغلال، وتقيم فيها نظاماً سياسياً متوافقاً معها. إلا أنه فعل داخلي أيضاً لكن مموّه بشعارات واهية توهم كل (مواطن)، وبخاصة من يعيش في الدول الأكثر تطوراً رأسمالياً على أنه مستقل وحقوقه محفوظة!

العدو، منذ تشكل نمط الإنتاج الرأسمالي، هو الطبقة البرجوازية وحليفتها الدولة بمفهومها الحديث. نعم الطبقة البرجوازية وحليفتها الدولة بالمفهوم الحديث هي العدو مهما تغيرت وتعددت الأشكال الخارجية لهذا العدو الطبقي. إنها عدوة الطبقة العاملة أينما وجدت هذه الطبقة، وأينما وجدت عدوتها الطبقة البرجوازية، وحليفتها الدولة بالمفهوم الحديث.

راهناً في ظل ما يعرف اليوم بالصيغة المستجدة من نمط الإنتاج الرأسمالي وهي (العولمة)، وإن اختلف كثيرون حول ماهية العولمة، إلا أنها إحدى صيغ تطور نمط الإنتاج الرأسمالي، نشهد تحالفاً أقوى بين العلم ورأس المال والدولة الحديثة، تحالفاً يخدم فيه العلم وحشية الطبقة البرجوازية وحليفتها الدولة بمفهومها الحديث، فيتحول الاستعمار داخل الدولة من قبل الطبقة البرجوازية من خلال قوانين الدولة، إلى أدوات استلاب وعي المواطنين وإيهامهم على أنهم غير مستغلّين. أما في خارجها فهي تمتن تحالفاتها مع الطبقات البرجوازية التابعة لها في الدول الأقل تطوراً من الناحية الرأسمالية لتذبح هذه الدول شعوبها خدمة لتحقيق مصالح البرجوازية العالمية، ولتمتين استعمار بصيغ احتلالية وحشية. وفلسطين أبرز دليل على هذا الاحتلال الوحشي من قبل الكيان الصهيوني الأداة الرئيسية للتعبير عن وحشية البرجوازية العالمية، ومتفرقات هذه الطبقة أينما وجدت، بحق الإنسان لتحقيق الحماية لمصالح الطبقة البرجوازية.

جرى احتلال فلسطين من قبل الحركة الصهيونية، التي شكلها العقل البرجوازي الأوربي. في حينها كانت الدول الأوربية هي الأكثر تطوراً رأسمالياً، واحتلت طبقتها البرجوازية ودولها كل أنحاء العالم تحت مسميات عدة من أبرزها (الانتداب).

غرست هذه الطبقة البرجوازية الأوربية، الوحش الرأسمالي الذي أوجدته واسمه الحركة الصهيونية، في فلسطين. وحش دُرّب على ارتكاب مجازر بشرية لانعكاس عقلية توحش الرأسمالية الأوربية فيه. بدأ هذا الوحش الصهيوني، منذ لحظة غرسه، بارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني وقضم أراضيه. وحش زودته الدول الأوربية وطبقتها البرجوازية بكل الأدوات العلمية التي طوعتها لإنتاج أكثر الأسلحة فتكاً بالانسان والحيوان والنبات ليستخدمه ضد الشعب الفلسطيني وكل مقاوم له، أو للطبقة البرجوازية وفكرها الاستعماري.

غرسته في فلسطين للحفاظ على مصالحها الطبقية عند انسحابها المباشر منها ومن دول العالم العربي. وهي الدول الأقل تطوراً، رأسمالياً، وفي الوقت عينه دول أوجدتها الطبقة البرجوازية الأوربية لتتقاسم فيما بينها الامبراطورية العثمانية. كما أوجدت أنظمة سياسية في هذه الدول العربية وطبقة برجوازية تابعة في مصالحها لمصالح الطبقة البرجوازية الأوربية. فكانت فلسطين الركن الأساسي للاستعمار المباشر لهذه الطبقة البرجوازية الأوربية لحكم المنطقة عسكرياً في حال تحررت شعوبها من أنظمتها التبعية البرجوازية القمعية التي صنعتها الطبقة البرجوازية الأوربية.

فلسطين المستعمرة من قبل الكيان الصهيوني تمثل بالدرجة الأولى من خلال الكيان الصهيوني الضامن الأساسي لهذه المصالح المتشابكة بين البرجوازية الأوربية والبرجوازية العربية التابعة في مصالحها للبرجوازية الأوربية. لذا أصبح الكيان الصهيوني مطلق اليد في ارتكاب أبشع الجرائم التي عرفتها البشرية، من مجزرة دير ياسين وصولاً إلى المجازر اليومية المرتكبة في غزة ولبنان. جرائم لترويع البشر والحجر، كما يقول المثل، كي لا يجرؤ أحد على رفض هذا الاستعمار للطبقة البرجوازية.

كما عملت البرجوازية الأوربية داخلياً، أي في الدول الأوربية، على تلميع صورة الكيان الصهيوني لتظهره صاحب (حق) في فلسطين واظهار الفلسطيني المقاوم للمشروع الاستعماري على أنه (إرهابي) فكرست في عقول شعوبها هذا الوعي المشوه، وعند أي تهديد لهذا الكيان ترسل أوربا (مواطنيها)، بصفة جيش، لحماية الكيان ليقتلوا في فلسطين حماية له. بينما في الواقع لقد أرسلتهم هذه الدول الأوربية حماية لمصالحها المتشابكة مع هذا الكيان الاحتلالي.

إذاً الاستعمار البرجوازي هو استعمار داخلي وخارجي في الوقت عينه، وإلا ما كان له أن ينجح في مشاريعه الاستعمارية.

بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية انتقل ثقل نمط الإنتاج الرأسمالي، وتطوره واستكمال هيمنته على العلوم، إلى المستعمرة الأوربية القديمة وهي الولايات المتحدة الأمريكية. هل من حاجة للتذكير كيف نشأت الولايات الأمريكية. إن كنت لا تعلم فعليك بالعودة إلى كتب التاريخ.

حملت الطبقة البرجوازية في الولايات المتحدة مشعل السباق من الأوربي لاستكماله، كما هو في الألعاب الأولمبية. وبقي الكيان الصهيوني في مركزه لحماية مصالح الطبقة البرجوازية الأمريكية وتحولت الأوربية والعربية تابعة للأمريكية.

الأمريكي، لا يختلف كثيراً عن الأوربي، فهما وحشان من نسل رأسمالي واحد، والفارق بينهما أن الأمريكي أكثراً تطوراً في وحشيته الرأسمالية من الأوربي. وهذا أمر بديهي لأن نمط الإنتاج الرأسمالي دائم التطور. التطور في الوحشية يعود في جوهره إلى مدى وعي الطبقة العاملة، فالأوربية أوعى طبقياً من الأمريكية لذا لجمت وحشيته قليلاً.

ها هو ذا الآن الأمريكي، بعقلية اليمين البرجوازي، يفتك بالعالم وينهب ثرواته علناً، والبرجوازية التابعة له تدعمه. فما نراه اليوم من أحداث وحروب ما هي إلا تعبير عن مدى إجرامية ووحشية هذا العقل اليميني البرجوازي.

فلسطين كانت البداية ليتمرس في وحشيته وما زالت مستمرة. لقد ارتكب الكيان الصهيوني، وما زال يرتكب، أبشع المجازر فيها، وفي لبنان، ومنها مذبحة صبرا وشاتيلا. جرائم يرتكبها والعالم، من الأمم المتحدة وصولاً إلى الأنظمة السياسية، يصفق له على مجازره واحترافه بارتكابها.

جرائم ارتكبها، ويرتكبها، بأسلحة أمريكية الصنع، وتقنيات أوربية مساعدة، مدفوعة الثمن بأموال النفط الخليجي. أي هناك مثلث على قمة هرمه البرجوازية الأمريكية، وحالياً يمثلها مصنّعو الأسلحة، والأوربية المعتاشة من الأمريكية، والعربية التابعة في مصالحها للصهيوني والأمريكي. فهل من حاجة للتذكير بقيمة الاستثمارات الخليجية في أمريكا، ومنها صفقات شراء الأسلحة الأمريكي بمليارات الدولارات.

لم يتوقف العقل الاجرامي اليميني البرجوازي عند فلسطين، والإعلان عن دفن القضية الفلسطينية بتأبين حاشد، بحضور عربي وأوربي وبقية العالم ومنظماته العالمية، من على منصة (مؤتمر السلام) الذي عقد في القاهرة برئاسة دونالد ترامب. بل يستكمل مشروعه في كل أنحاء العالم، لينهب كل قطرة نفط أينما وجدت.

بعد التأبين ذهب إلى فنزويلا ليعلن أن (نفطها نفطنا)، ونحن نحدد ما نعطي الشعب الفنزويلي من نفطه. فعل ذلك بعد دفن القضية لسبب بسيط، لأن دفن القضية الفلسطينية جرى بتوافق الطبقة البرجوازية في العالم، من الصهيونية وصولاً إلى الأوربية والأمريكية والعربية، والروسية والصينية والفيتنامية… توافق منح الأمريكي اليد العليا في نهب ما تشاء من الثروات. فنهبت ثروات فنزويلا، وها هي ذي حالياً تشن حربها الوحشية على إيران لاستكمال عملية النهب. لم يكن لها أن تشنها لو لم يكن هناك توافق مماثل لما حدث في فلسطين.

بعد إيران سيأتي دور جار إيران، رغم كل فرحه (الاقتصادي) بالحرب على إيران. فهو الان يبيع نفطه بعد أن رفع الامريكي الحظر عنه لفترة، وبهذا يحقق ارباحاً هائلة. استمرار بيع نفطه في محاولة لسد النقص النفطي على مستوى العالم، ما هو إلا وسيلة دعم للبرجوازية الأمريكية في حربها على إيران، والصمود لأطول فترة ممكنة من دون أن تتأثر أسعار النفط كثيراً فيرفض الشعب الأمريكي هذه الحرب.

رفضه ليس لأنه ضد الحرب لنهب ثروات العالم، بل الرفض لأن أسعار استهلاك الوقود في الداخل قد ارتفعت. وما هذا الرفض إلا تعبير آخر عن مدى تشوهات الوعي الطبقي عند الشعوب!

لذا وانطلاقاً من هذه القاعدة، تبقى فلسطين بوصلة النضال التحرري والتحريري. منها ينطلق التحرير والتحرر المكتملان المعالم الفكرية وإلا بقيت الطبقة البرجوازية بكل مسمياتها تفتك بالبشر والحجر. لذا على الطبقة العاملة أينما وجدت في العالم أن تعي واقع ما تفعله بها الطبقة البرجوازية وما ترتكبه من مجازر بحقها.

 

 

… يتبع وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني، فالباب مفتوح لمن يودّ الاستكمال.

 

العدد 1194 - 15/04/2026