مفاوضات أغرب من الخيال!
بعد ٤٠ يوماً من حرب شنّتها الولايات المتحدة مع شريكها الكيان ضد إيران.. استخدموا فيها كل ما يمتلكان من القدرات العسكرية، وأحدثها وأكثرها تدميراً.. كانت نتيجتها عدم تحقّق أي هدف مما أعلنته قوى العدوان.
الولايات المتحدة تلك الإمبراطورية التي اهترأت قطبيتها الأحادية سريعاً.. والمأزومة في بنية منظومتها الاقتصادية والسياسية.. لدرجة أن تأتي برئيس غير متّزن.. نرجسي فاسد.. ووقح.. يحتقر كلّ القوانين والقواعد.. وهو الشخص المناسب لتحطيم كل شيء وتعميم الفوضى في العالم.. أي أن تلك المنظومة نتيجة أزمتها وتخبطها آثرت تعميم الفوضى الدولية.. واستخدام أحد أهم عناصر قوة الإمبراطورية.. ألا وهو القوة العسكرية، بعد الفشل والتراجع الاقتصادي والسياسي، لتعيد كل العالم إلى حظيرة هيمنتها بالقوة القهرية الغاشمة، إضافة إلى سعيها لتبرير هذا الإنفاق العسكري الهائل من ميزانيتها والذي وصل إلى تريليون دولار سنوياً، وتعمل إدارة ترامب على زيادته بمقدار 50%.
ومع اصطدامها بخصم تاريخي عنيد ويستعد منذ عشرات السنين لتلك المنازلة الكبرى (إيران).. فإن تداعيات فشل هذه الحرب هي أكبر من أي توقع وتأثيرها الاستراتيجي مزلزل حرفياً.. مما جعل التفاوض لإنهاء الحرب معقّداً.
فالإمبراطورية المهاجمة الفاشلة في حربها.. تطلب من الوسطاء أن يأتوها باتفاق يضمن نزولها من الشجرة المرتفعة دون أن ترتطم بالأرض ودون أن تجرحها الأغصان الحادة أثناء النزول.. ولكن، بعد أن مرّ أكثر من شهرين على مساعي الوسطاء، تبين استحالة تنفيذ اتفاق كهذا، فإيران التي لم تنكسر رغم كل الضربات الموجعة التي تلقتها من القوة العسكرية الأولى في العالم وشريكها جيش الكيان الأقوى في المنطقة، لن تتنازل عن أهم شروطها ومطالبها لوقف الحرب.
والبنود التي يجري تسريبها لمسودة ورقة التفاهم التي يعمل عليها الوسطاء تشكل في غالبها هزيمة مدوية للأمريكي، يستحيل أن يقبلها، وفي الوقت نفسه، لا يستطيع الاستمرار في حربه، لأن الورطة والمأزق سيتعاظمان حتماً.
إذاً.. ما العمل؟!
وما هو المخرج؟
اتفق الوسطاء مع الأمريكي على إخراج اتفاق علني تصاغ فيه بنودها التي موعد تنفيذها عاجل، بحيث لا تحرج الإدارة الأمريكية، وتكون إيران راضية في الوقت نفسه.
أما البنود المحرجة للإدارة الأمريكية فجرى تقسيمها إلى قسمين: قسم له علاقة بتحرير وتسليم جزء من أموال إيران المجمدة بقرار أمريكي سينفّذ سرّاً من خلال دولتي الإمارات وقطر، والأقسام المستعصية سترحّل إلى مفاوضات قادمة قد تمتد أشهراً وربما سنوات قادمة. بمعنى أن يجري إنزال الوحش الخاسر من أعلى الشجرة، على مراحل، وهي محاولة إنقاذية ليس للإمبراطورية حتماً.. لأنه من المستحيل إنقاذها من نتائج الهزيمة. هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من صورة الرئيس ترامب، وخاصةً، ونحن دخلنا في غمار مسابقة دولية رياضية هي الأكثر شهرة ومتابعة بين شعوب الأرض.. عندئذٍ يستطيع ترامب أن يوعز لصديقه رئيس اللجنة الدولية لكرة القدم (الفيفا) أن يسلمه جائزة تم استحداثها سريعاً الآن: (جائزة الفيفا للسلام)!!
فترامب أقفل حرباً هو أشعلها أصلاً.. وقتل فيها آلاف المدنيين في إيران.. ولتتكفل الماكينة الإعلامية الإبستينية القذرة بتغطية الإجرام والعدوان.. وقلب الحقائق.. ومكافأة المجرمين.. والتغطية على الهزيمة المرّة للإمبراطورية المأزومة.
لكنها محاولات بائسة في ظل عالم يتغير وإعلام يستحيل السيطرة عليه وتوجيهه مهما أنفق الأثرياء الطغاة.
وحيد سيريس