مضيق هرمز .. العالم كله يغلي ويعيش في ضيق
الدكتور سلمان صبيحه:
تتناقل وكالات الانباء الأخبار، وهي تحبس أنفاسها، عن خطورة إغلاق مضيق هرمز، وهذا يعني عملياً إدخال العالم كله في أكبر كارثة اقتصادية كبيرة جداً.
يعتبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وسمّي هرمز، نسبة إلى مدينة هرمز الإيرانية التاريخية، يبلغ عرضه في أضيق نقطة منه ٣٣ كيلو متراً، و١٠٠ كيلومتر في أوسع نقطة، لكن فعلياً يستخدم المضيق عبر ممرّين ملاحيين فقط بعرض ٣ كيلومتر لكل اتجاه مع منطقة عازلة بعرض ٢ كيلو متر.
يعتبر مضيق هرمز أهم شريان حيوي لنقل النفط والغاز، لأنه وكما هو معلوم يمر عبره حوالي ٢٠% من النفط العالمي يومياً، أي ما يقدر بين ١٧ و ٢٠ مليون برميل من النفط، لذلك يعتبر أكثر ممر بحري حيوي في العالم للطاقة، خاصة لدول الخليج.
كذلك يمر من هذا المضيق حوالي ٣٠% من إجمالي الغاز الطبيعي المسال عالميا، معظمه من قطر.
إن اغلاق مضيق هرمز سوف يشل حركة الغاز، وبالتأكيد سوف يرتفع السعر عالمياً إلى نسب قد تصل إلى أكثر من ٥٠% عن السعر الطبيعي.
في علم الاقتصاد كل شيء مرتبط بآخر وكل حركة أو أي اهتزاز معين أو أي حادثة كانت ستؤثر مباشرة على سوق التعاملات المالية والعمليات التجارية والاقتصادية وعلى حركة الشحن والنقل وسلاسل الإمداد، وكل زيادة في التكاليف من البداية وحتى النهاية ستحسب وستضاف مباشرة على قيمة البضائع آخذين بعين الاعتبار هامشاً مالياً احتياطياً يصب في خانة الربح فيما بعد ومنها يتحول إلى جيوب التجار والمستوردين، ولذلك سترتفع الأسعار، وهي بالفعل بدأت ترتفع بشكل ملحوظ في غالبية دول العالم.
يقول المتابعون لتطورات هذه الحرب العدوانية ولهذه الأحداث المؤسفة بأنه من المتوقع أن يرتفع سعر برميل النفط إلى أكثر من ١٢٥ دولار ، ويمكن أن يتجاوز عتبة ١٥٠ دولار في حال استمرت الحرب فترة أطول، ولذلك أيضاً سترتفع الأسعار بشكل جنوني، الأمر الذي سينعكس على المواطن البسيط العادي، الذي هو بالأصل يعاني كثيراً في سبيل تأمين حياته المعيشية قبل اندلاع الحرب المجنونة في المنطقة .
سيرتفع سعر البنزين والغاز بشكل ملحوظ، سيرتفع التضخم (ارتفع التضخم في أمريكا بنسبة أكبر من ٦%، بحسب التقارير الواردة من هناك) طبعاً هذه الزيادات سترفع معها سعر الفائدة، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار مقابل العملات المحلية، وبالتالي كما قلنا سنشهد مجدداً زيادة في ارتفاع أسعار الوقود، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع في كل أسعار السلع والخدمات وخصوصا المستوردة منها.
إن اغلاق مضيق هرمز سيعطل أيضاً مرور سلاسل الإمداد للبضائع والحاويات والمواد الغذائية التي تمر من المضيق والتي تقدر ب ١١% من حجم التجارة العالمية.
طبعاً هنا لن نتكلم عن تكاليف الشحن والتأمين التي زادت بنسبة أكثر من ٥٠ %. وبالتأكيد، سيتم إضافة هذه التكاليف على سعر البضائع، مما سيساهم أيضا برفع الأسعار مجددا وباستمرار، ومع زيادة التصعيد، سيشهد سوق الذهب ارتفاعاً وصعوداً كبيراً، يرافقه موجة انخفاض وهبوط حاد في كل الاسواق المالية العالمية وستشهد أسواق التداول فترة من التقلب وعدم الاستقرار.
يذكر أنه من أكبر المستفيدين من تصدير النفط والغاز ومروره من مضيق هرمز كانت الهند والصين، بإعتبارهما من أكبر مستوردي الطاقة (نصف واردات الصين النفطية تمر عبر مضيق هرمز)، لذلك قد تضطر الصين للتدخل دبلوماسيا لإقناع إيران بعدم اغلاق المضيق، لتتجنب أزمة قد تضرب سلاسل الإمداد الصناعية والتجارية لديها.
أيضاً أوربا التي تعافت جزئياً من أزمة الطاقة، نتيجة للحرب الروسية الأوكرانية، ستجد نفسها مجمدة أمام ما تبقى من شتاء بارد وقاسٍ جدّاً، عدا التضخم الذي يضرب اقتصادها، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الغربية.
ومن هنا نجد أن إغلاق المضيق يعتبر كارثة عالمية، لذلك بدأت بريطانيا والاتحاد الأوربي يحذران إيران من إغلاق المضيق.
إيران تؤكد أنها لم تغلق مضيق هرمز، بل أصبح هذا المضيق غير آمن من تلقاء نفسه نتيجةً لأعمال الأمريكيين الشريرة، وقد دفع هذا الوضع شركات الشحن إلى التردد في عبور هذه المنطقة.
علما أن إيران ليس لها مصلحة اقتصادية بإغلاق المضيق لأنها هي نفسها مستفيدة منه وهي تعتمد عليه لتصدير أكثر من ٩٠% من النفط والغاز الإيراني، وأن أى تعطيل لحركة الملاحة طويل الأمد فيه سوف يؤدي حتماً إلى خنق الاقتصاد الإيراني الذي هو بالأساس يعاني نتيجة العقوبات الأمريكية والعزلة المالية المفروضة عليه، وإن اي تهديد اقتصادي جديد سوف يؤثر على استقرار إيران الداخلي، وقد يكون هذا ما تراهن عليه أمريكا من أجل تغيير النظام فيها.
للعلم إيران لم يسبق لها أن أغلقت مضيق هرمز، لكنها استخدمته عدة مرات كورقة ضغط، مثلاً في عام ٢٠١٢ هددت بوقف الملاحة في المضيق بعد عقوبات نووية فرضت عليها، وفوراً ارتفعت أسعار النفط عالمياً حتى وصل سعر البرميل إلى حدود ١٢٥ دولاراً دون أن تطلق طلقة واحدة.
في الختام، إن مضيق هرمز اذا ما أُغلق فعلياً، سيكون حدثاً كبيراً وليس مجرد خبر سياسي أو عسكري، بل سيكون قراراً قد يشعل أزمة تبدأ بارتفاع اسعار الوقود، وقد لا تنتهي بكساد اقتصادي عالمي، بل ستكون كارثة مدمرة تشمل الجميع لتكبر وتكبر وتتحول وتمتد لا سمح الله إلى حرب إقليمية أولاً، ومن ثم إلى حرب عالمية ثالثة شاملة تنهي الحياة على كوكبنا الجميل.