فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

د. أحمد ديركي:

من أين أبدأ؟

سؤال ما زال مطروحاً لسرعة مجريات الأحداث. لكن الأحداث ليست متسارعة، فالمشروع الصهيو- أوربي- أمريكي معروف منذ بداية احتلال فلسطين. إنه مشروع مترافق مع خيانة أنظمة عربية، خيانة علنية وأخرى مبطنة. لذا لسنا نتحدث عن تسارع أحداث، بل استكمال المشروع الاستعماري باستخدام أحدث التقنيات وكل المنظمات الدولية وغير الدولية لتغطية وتشريع للمشروع الاستعماري.

منذ احتلال فلسطين بدعم عالمي وإقليمي ومحلي، لأنه مشروع يعبر بشكل واضح عن مصالح قوى الرأسمالية في العالم، والتحالفات البرجوازية فيه، رفضت شعوب المنطقة هذا الاحتلال. وولدت مقاومة هذا المشروع الاستعماري منذئذٍ، كما ولدت البرجوازية الخائنة وحليفتها الأنظمة العربية.

مقاومة ما زالت تقول لا للمحتل من فلسطين وصولاً إلى لبنان. ومع كل (لا) تقولها يزداد دعم الأنظمة العربية للكيان الصهيوني، خوفاً من أن تقضي عليه مقاومة هذا المشروع، لأن هذه الأنظمة لا يمكنها البقاء من دون دعم قوى الاستعمار لها.

منذئذٍ والكيان يعمل على توسيع منطقة استعماره، ويبدو راهناً أنه نجح باستعمار كل فلسطين. فعلها بمباركة كل من في العالم إلا المقاومين له. مقاومون سطروا أساطير بطولية خاطين بدمائهم في تاريخ البشرية أبطال أسطوريون ضد كل محتل ليكونوا عندما تصل البشرية إلى وعي مفهوم الحرية نماذج بطولية تحررية.

ها هو ذا الصهيو-أمريكي يستكمل مشروعه العلني، منذ تبدل التحالف من الصهيو – أوربي إلى صهيو – أمريكي، بتوسيع أرض الكيان الصهيوني بضم جزء آخر من سورية، الجولان المحتل، وهو الجزء الذي تخلى عنه النظام السابق والحالي، وفشل في أكثر من مرة بضم جنوب لبنان.

نعم، فشل بضم الجنوب اللبناني إلى فلسطين المستعَمرة، لا لأن النظام اللبناني غير خائن، ولا لأن الأنظمة العربية ليست بأنظمة خائنة، ولا لأن الانظمة السياسية في بقية العالم غير خائنة، بل لأن المقاومة الوطنية في لبنان، والفلسطينية، غير خائنة.

مقاومة أجبرت الصهيو-أمريكي على التخلي عن تحقيق حلم ضم جنوب لبنان إلى فلسطين. فعمل الصهيو-أمريكي على تغيير في التكتيك المستخدم لمشروعه التوسعي. وقد وصلت الأنظمة الرأسمالية المركزية إلى درجة اليمين السياسي، منذ بداية منظريها مع فوكوياما وهانتغتون. فغرقت أنظمة العالم وكل المنظمات الدولية وغير الدولية في بحر الفكر اليميني الرأسمالي ودعمته في استكمال مشروعه الاستعماري ليس لفلسطين فقط، بل لكل دول العالم، وفنزويلا والحصار على كوبا أبرز أدلة على مدى توسعه الاستعماري بدعم من الجميع!

هذا الدعم المطلق سمح للصهيو-أمريكي باستكمال استعماره لفلسطين وارتكاب أبشع مجازر بحق البشرية وفي تاريخها، لأن البشرية راهناً فقدت إنسانيتها وتحول جزء كبير منها إلى مجرد وحوش رأسمالية دموية. هل من حاجة للتذكير بمدى الوحشية المستمرة بحق الشعب الفلسطيني من قِبل الكيان الصهيوني وبدعم عالمي. فهل سمعنا أيّ (عقاب) لأفعال الكيان الوحشية ضد الشعب الفلسطيني أو (عقاب) للأمريكي ضد أفعاله الوحشية ضد الشعب العراقي وأفعاله المخالفة للقوانين الدولية من اختطاف رئيس فنزويلا وصولاً إلى فظائع سجن أبو غريب ومعتقلات غوانتينامو؟ أكيد لم ولن نسمع لأنهم هم القانون!

وها هو ذا حالياً يهاجم بوحشيته – البشرية إيران ومقاومة لبنان، لأنهما عائقان أمام استكمال مشروعه التوسعي الذي يبدو أن العالم برمته موافق عليه، حتى من يقولون إنهم معارضون له! فلو كانوا فعلاً معارضين لوقفوا في وجهه معبّرين فعلاً لا قولاً عن المعارضة. وهنا الحديث عن كل نظام سياسي لم يتخذ موقفاً أو يقول إنه ضد هذه الهجمات ولا يفعل شيئاً سوى القول.

ظن الصهيو-أمريكي، وبقية العالم، أن المقاومة في لبنان، وإن تبدلت مع مرور الوقت من وطنية إلى (طائفية)، قد قضي عليها بوحشية العدوان الصهيو-أمريكي – العالمي مؤخراً وأصبحت الآن لقمة سائغة للقضاء عليها.

لحظة كل تكاليف حروب الصهيو-أمريكي مدفوعة الثمن؛ فالأمريكي يهب الصهيوني الأسلحة والخليجي يدفع ثمنها، لن نطيل الحديث بهذا الموضوع فقط للتذكير: كم تبلغ قيمة صفقات الأسلحة بين أنظمة الخليج (العربي) والأمريكي؟ وآخرها منذ فترة قصيرة جداً الامارات وبشكل فوري تشتري من الأمريكي أنظمة مضادات جوية بقيمة 2 مليار دولار لحماية أجوائها من الصواريخ الايرانية! أرباح يحققها الأمريكي ويمنح جزءاً منها للصهيوني لينفذ من خلاله مشروعه الاستعماري والبرجوازية العربية تدفع التكاليف لتبقى محافظة على موقعها البرجوازي.

لتبقى في موقعها عليها القضاء على كل مقاوم للكيان الصهيوني الذي هو الممثل الأبرز لهذا النظام الرأسمالي.

يبدو أن مفهوم المقاومة أصبح واضحاً. واضح لكن ليس للجميع، وهنا أهمية الفكر الماركسي، لذا هذا المشروع الصهيو-أمريكي – العالمي لا يقتصر فقط على القضاء على المقاومة، بل فعلياً هو مشروع للقضاء على الفكر الماركسي المقاوم.

ها هو ذا النظام الرأسمالي وكل حلفائه يظهرون مجريات ما يجري في فلسطين، وإيران والخليج ولبنان وكأنه صراع بين أديان وطوائف متناحرة! الخليج (السنّي) ضد إيران (الشيعية) الصهيوني (الإسرائيلي) ضد (الإسلامي) الفلسطيني، وجنوب لبنان (الشيعي) ضد الصهيوني ما يؤذي لبنان (السنّي) و(المسيحي).. و(الدرزي) الحليف للصهيوني ضد (السنّي)، الذي لا يختلف في تحالفاته عن (الدرزي).. فيتوه كل من هو غير متحصن فكرياً في متاهة الفكر البرجوازي الذي يعمل على تكريس صورة أن مجريات الحروب في المنطقة هي (دينية) أو (طائفية). وكذلك تفعل الأنظمة العربية على تكريس هذه الصورة كي يبقى زعماؤه قابعين على عروشهم فيه.

المقاومة هي مقاومة مشروع رأسمالي استعماري، لنكن فعلاً جذريين بأفكارنا الماركسية لا مساومين ولا متقلبين كي نحرر فلسطين. لكن قبل تحريرها علينا أن نحرر أفكارنا من تلوثات الفكر البرجوازي بكل صيغة لنخلق من فكرنا جبهة تستطيع مواجهة الصهيو-أمريكي وحلفائه أينما وُجدوا، من فلسطين وصولاً إلى غرينلاند.

… إننا لا نحول المسائل الدنيوية إلى مسائل لاهوتية، وإنما اللاهوتية إلى دنيوية. نحل الغيبيات في التاريخ بعد أن انحل التاريخ وقتاً كافياً في الغيبيات. تصبح مسألة علاقة التحرر السياسي بالدين بالنسبة لنا علاقة التحرر السياسي بالتحرر البشري. (كارل ماركس، حول المسألة اليهودية، ترجمة نائلة الصالح، ص. 17.)

هكذا نقرأ الفكر الماركسي لا العكس، وهكذا نقرأ المقاومة لا العكس. هكذا نقرأ الفكر البرجوازي من الخلفية الماركسية – اللينينية لا من الخلفية البرجوازية. وكل من يتوهم أن البرجوازية تقف ضد أي مخطط استعماري يتوهم بأنه تحرري، فها هو ذا الكونغرس الأمريكي رغم كل الترهات الخطابية التي سمعناها من أعضائه يجتمع ويؤيد الهجوم الصهيو-أمريكي على إيران، ويدعم تسليح الأكراد في إيران لمحاربة النظام الإيراني.. ليوسع دائرة الصراع من صراع بين الطوائف إلى صراع بين القوميات، فيزيد وهم أفكار كهذه، وليوسع مشروعه الاستعماري من خلال هذا الوهم الفكري.

كفى وهماً بحقوق الإنسان والديمقراطية والحرية وحرية التعبير عن الرأي والقانون الدولي والمنظمات الدولية.. وكل هذه الأكاذيب البرجوازية. مجدداً لنكن ماركسين – لينينيين بالفكر أولاً!

 

يتبع وإن عجزت على القيام بهذا العمل المضني الباب مفتوح لمن يود الاستكمال

العدد 1194 - 15/04/2026