المركزية الأوربية والديمقراطية
بشار عباس:
اعتمدت النظرية المركزية الأوربية على رؤية تاريخ العالم أوربياً بالكامل، وركزت أكثر ما يمكن على أن العالم قبل أوربا كان تحت حكم استبداد الطغاة الشرقيين، ولم يشهد العالم ولادة الديمقراطية إلا في أوربا (أي اليونان)، والحقيقة أن هذا الكلام فيه تجاهل كبير للحقائق التاريخية، بما فيها موقف اليونانيين القدامى وعلى رأسهم أرسطو، ونورد فيما يلي ثلاث نقاط فقط:
- ديمقراطية الألف الثالث قبل الميلاد (قبل ديمقراطية اليونان بأكثر من ألفي عام): وقف خامس ملوك سومر (جلجامش) أمام مجلس الشيوخ في عاصمته أوروك حوالي عام 2900 قبل الميلاد، سألهم المشورة في قرار بالحرب ضد (آجا) حاكم كيش، مخاطباً إياهم بقوله: (دعونا لا نخضع إلى بيت كيش، دعونا ندكّهم بالأسلحة). لم يكن أعضاء المجلس المنعقد آنذاك لجلسة عاجلة (يصفقون) طوال الجلسة للحاكم (جلجامش)، بل ناقشوه بكل ديمقراطية حول منطقية الحرب، وهل تستحق التضحية بشباب أوروك؟ ثم رفضوها ووافقوا على خضوع أوروك لشروط حاكم كيش بسيادته على كل بلاد سومر، الأمر الذي لم يقنع جلجامش فلجأ (جلجامش) إلى (الخيار الآخر)، واتجه إلى المجلس الآخر (مجلس الشباب) أو مجلس العموم، باحثاً عن موافقته لإعلان الحرب، لأن قراراً خطيراً كهذا لم يكن فردياً خاصاً بالحاكم كما يبدو، بل لا بد من موافقة أحد المجلسين ليصبح نافذاً. وافق مجلس الشباب أو مجلس عامة الشعب على الحرب، لكنها لم تحدث لأن (آجا) آخر حكام (كيش) قبل بخضوع عاصمته إلى أوروك من غير حرب بعد أن عرف أن جلجامش عزم على الحرب وبدأ يعد الجيش والأسلحة. والوثيقة أو اللوحة الطينية المنقوشة بالخط المسماري باللغة السومرية والتي جاء فيها ذكر المجلسين، وأوردها باحث السومريات صمويل كريمر في كتاب (التاريخ يبدأ من سومر) الصادر عام 1956.
- نظام الحكم لدى الفينيقيين: كان نظام الحكم عند الفينيقيّين ديمقراطيّاً فكان لكلّ مدينة حكومة خاصّة بها يترأسها حاكم أو ملك، سلطته مقيّدة، يساعده في إدارة الحكم مجلسان هما: مجلس تمثيلي (هيئة من المشرّعين) ومجلس الأشراف، إضافة إلى ذلك الكهنة الذين كان لهم دورٌ كبير في إدارة دفّة الحكم. وقد شكّلت مدن صور وجبيل وأرواد اتّحادًا اقتصاديًّا مركزه طرابلس التي كانت تعقد فيها المؤتمرات العامّة للتّداول في الشّؤون الاقتصاديّة والمشاكل المشتركة والعمل على ضبط الاستقرار الدّاخلي كي تؤمن مصالح كلًّ منها، وقلّما كانوا يناقشون الأمور السّياسيّة.
- أرسطو وقرطاجة (الشاهد الأوربي الذي اعترف بأسبقية الديمقراطية خارج أوربا): يرى أرسطو أن نظام الحكم في قرطاجة من أفضل الأنظمة السياسية وأن دستورها من أفضل الدساتير، حيث ورد في كتابه السياسة ما يلي: (يبدو أنه كان للقرطاجيين تنظيمات سياسية وطنية، وهي من نواح عديدة أفضل من تنظيمات الشعوب الأخرى. وتشبه في بعض الجوانب تنظيمات اللقيديميين (سكان إسبرطا)… ونجد لدى القرطاجيين عدداً أكبر من المؤسسات الممتازة).
وقد وصف أرسطو حكومة قرطاجة في 340 ق م وقال إنها كانت أساساً حكومة أغنياء المدينة، وأن أساس نجاحها كانت نموها الاقتصادي الدائم وكان لديها دستور ومجلس للشيوخ ومجلس للعموم.