ماركس.. والعاريات!

بولس سركو:

دفعنا ثمن تذاكر الدخول إلى متحف لوس أنجلس للفن المعاصر والبهجة تغمر قلبي لأنني سأرى أعمال كبار فناني عصرنا، ولكن ما إن صرت على مدخل القاعة الرئيسية حتى تجمّدت في مكاني:

القاعة كبيرة تتوزع من جوانبها مداخل القاعات الفرعية، لكنها خالية إلا من صورة كبيرة تغطي جدار كامل من جدرانها.

صورة كاميرا وليست لوحة فنية صورة مركبة ومكبرة لمصورة بولندية لم أسمع باسمها من قبل، جمعت في موضوع واحد تمثالاً لوجه كارل ماركس من الحجر الأسود، وثلاث نساء عاريات يتمايلن فوق قماشة بيضاء وقد أدرن ظهورهن للتمثال، وإلى جانب الصورة مكتوب على ورقة بيضاء العنوان (موت الماركسية) وتعريف بالمصوّرة.

انقلبت بهجتي إلى كرب وتوتر، في حين كان الآخرون يقفون قليلاً ببرود ويتابعون نحو القاعات الفرعية وكأن شيئاً لم يكن بينما بقيت لوقت طويل منشغلاً في تفكيك المشهد في مخيلتي وتحليل رمزية العناصر والألوان والروابط بينها والموضوع ككل دون التوصل إلى اكتشاف المعنى ولا اكتشاف أية قيمة إبداعية تبرر وجود هذه الصورة في القاعة الرئيسية، ولكن عنوانها ذكّرني فجأة بكتاب فوكوياما (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، فأعدت التدقيق في محتويات الصورة ووجدت نوعا من التطابق بينها وبين فكرة الكتاب، ففيها حالة من المقارنة البدائية الركيكة بين سواد الكتلة الحجرية الصماء الميتة والحركة الحية للحواءات ببشرتهن الوردية على بياض القماشة، وسواء قصدت المصورة ذلك أم لم تقصد فهو التفسير الأكثر إقناعاً، فتمثال كارل ماركس هو التاريخ المنتهي والمتمايلات الجذابات هن الإنسان الأخير (الرأسمالي الحر) الباقي.

شعرت أنني وقعت في مصيدة الدعاية السياسية الفظة، ومع ذلك تابعت باتجاه القاعات الفرعية التي تضمنت أعمالاً فنية ضخمة حاولت تأملها بانفتاح لكن عنوان (موت الماركسية) بقي عالقاً في ذاكرتي ولم أنجح في محوه على الرغم من معرفتي بأن هذا الدبق بالتحديد هو الهدف الأساسي لأولئك المحتالين في إدارة المتحف، وإلا لما أفرغوا القاعة الرئيسية لصورة لا قيمة فنية لها ولما حشروا اللوحات القيمة في القاعات الفرعية بالمقابل وهم يظنون أن فخهم السياسي المموّه بالفن والذي يكون الضحية قد دفع لهم سلفاً ثمن الوقوع فيه هو ذكاء خارق يمر من تحته  كل من يزور المتحف حكماً فتدمغ ذاكرته بـ (موت الماركسية) وتصبح مع الوقت قناعة عامة ثابته لا نقاش حولها.

والحقيقة أن عنوان (موت الماركسية) هو تضليل وتلاعب فاضح يعتمد فيه المحتالون على وقائع انهيار الأنظمة التي كانت تتبنى الماركسية علما بأن الماركسية ليست نظام حكم بل هي نظام فلسفي مرتبط وجوده او عدم وجوده بضرورات الواقع – التمايز الطبقي وتراكم الثروة ٠٠٠الخ – ومن جانب آخر فالمنطقي أن تنتهي الحرب النفسية الدعائية عند موت الماركسية فلماذا إذاً هم مستمرون؟ أليس لأنهم فعلياً يرتعدون من شبح الماركسية؟

أما من الناحية الفنية فان مهزلة ازدواجية المعايير وحدها تكفي ليقف المرء موقفاً ساخراً من المسألة، فالغربيون هم من اخترعوا مقولة فصل الفن عن السياسة وظلوا طوال نصف قرن يتهمون خصومهم السوفييت بتسييس الفن، فماذا نسمي صورة القاعة الرئيسية لمتحف الفن المعاصر؟

العدد 1191 - 18/03/2026