حول الأدب الساخر والكاريكاتير
يونس كامل صالح:
الأدب في إحدى صوره تجربة اجتماعية يستقيها الأديب من واقع مجتمعه الذي يعيش فيه، متأثراً بما يعتمل فيه من أحداث سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو خلقية.. فما مظاهر هذه التجربة؟ ومن أين تبدأ؟
إن التجربة الأدبية التي تدخل مختبر الأديب الفكري، تصطبغ بألوان فكره ونفسيته، فتتخذ الشكل المناسب الذي تظهر فيه للناس، ومن هنا وجدت المذاهب والمدارس الأدبية، وتحددت سمات الأساليب الفنية، لذلك نرى التجربة الأدبية لدى الأدباء الكلاسيكيين مصبوغة بلونهم النازع إلى رصانة التقليد، بينما نراها لدى الرومانسيين ممتزجة بتهويمات النفس وأحلام الحياة وتموجاتها والانخراط في أحضان الطبيعة، في حين افترضها الواقعيون ذات جذور ضاربة في تضاريس الواقع الاجتماعي، في الوقت الذي طالب فيه أصحاب مدرسة الفن للفن بالتنقيب عن الجمال ومقوماته داخل العمل الفني دون النظر إلى مبدعه أو المصادر الملهمة له.
والأديب الذي يتصدى للواقع الاجتماعي يخضع لمجموعة من المؤثرات الخارجية التي تحيط به في المنزل والشارع والعمل الوظيفي أو غيره، فتتمثلها مخيلته، ثم يعمد بعدها إلى تفريغها حين يريد تجسيدها عملاً فنياً متميزاً. ولا يعني هذا في حال من الأحوال أن ينقل الأديب مادته عن الواقع الاجتماعي نقلاً تصويرياً، فيغدو نتاجه باهتاً يقوم على رسم صوره طبق الأصل للواقع، تبدو فيه الواقعية في أردأ أثوابها، وتشف عن قلم جاف لا يؤثر في قارئ ولا يثبت أمام مبضع ناقد. والأدب النقدي الساخر، لون من ألوان الأدب الاجتماعي الواقعي الذي يستمد نسقه ونماءه مما يحيط بالأديب، وهو يدخل في إطار الأدب الهادف الموجه الذي يذَّخر طاقة هائلة من المشاعر، ويعوض النفس الإنسانية عن المعاناة العقلية في الحياة. وبذلك تصبح الكتابة الساخرة في كثير من الأحيان- علاجاً ناجعاً لمشكلات وأزمات اجتماعية وغير اجتماعية، تبصِّر الآخرين بعواقب السوك السيئ، وربما يتغلغل فيها الأديب إلى داخل النفس الإنسانية ليلمس ما يعتمل فيها من صراعات وأهواء وانحرافات وعقد، ثم يعمل إلى تجسيدها وتضخيمها والسخرية منها سخرية لاذعة. وليست غاية السخرية والتهكم في الفن الأدبي الإضحاك دائماً، مع أن الإضحاك من مستلزمات السخرية، وشر البلية ما يضحك- ولكن ثمة أهداف وغايات أخرى لا تخفى على القارئ العادي، ويبقى الإضحاك واسطة العقد في هذا اللون الكتابي. إن نقاط الضعف البشري، كالتظاهر والخيلاء والتسلط والدجل والغرور وغيرها أرض خصبة للمواقف الكوميدية منذ العهد القديم حتى العصر الراهن، وأن الضحك حاجة إنسانية تتطلبها النفس بين حينٍ وآخر. لأنها طاقة مكبوتة تنطلق من عقالها عندما تقابل شيئاً أقل مما أعددنا أنفسنا له.
إن هذه المسألة تقودنا إلى ما يمكن تسميته “العاطفية” التي هي ألد أعداء الضحك. إن كشف عيوب الناس، أو تسليط الضوء على مكامن المفارقة في موقف ما، على نحو مثير، يثير الجزع أو الشفقة أو الرحمة أحياناً، وهذا كفيل بأن ينسخ الضحك ويطرده. فالإنسان المتأثر عاطفياً لا يضحك، والموقف الكوميدي كي يثير الضحك لا بد أن يتجرد عن العاطفة، و”سر الصنعة” في تجسيد مواقف الضحك كلها هو “الكتابة بالكاريكاتير” وفي كل موقف وفي كل حادثة اعوجاج وانحراف تلتقطه عين الفنان الفاحصة، فتضخمه وتجسمه وتبرزه للعيان.
والكاريكاتير لا يضحكنا في كل الأحوال، لأن تصوير عاهة رجل فقير خليقة بأن تثير فينا الحزن لا الضحك. كما أن السخرية ممن يكن لهم الناس الاحترام، سخرية غير مضحكة، وقد يكون لها أثر منفر، ذلك لأن الضحك هو فعل اجتماعي لا يتحقق في الأدب والفن، إلا إذا كان وافياً بالأغراض الاجتماعية والنفسية والفنية لأن الضحك يلزمه صدى، وهو- في الأدب الساخر- انتقام اجتماعي وقصاص رادع من هؤلاء الناشزين. إن الأدب الساخر انتقام اجتماعي لأن من نواميس الحياة أن المجتمع يحرص على تحسين البقاء بقدر ما يحرص على البقاء نفسه، وغايته إلى ذلك هو التوافق العام، والانسجام التام، وأحد أسلحته في التقويم هو السخرية والنقد الهادف.