“رجل الثلج”.. مسرحية تخرج من الكهف إلى العالم
عمل روسيّ الروح بقلم عربيّ يصل إلى القارئ العالميّ بالإنكليزيّة
في زمن تتجدد فيه الأسئلة حول الحرب والذاكرة والإنسان، تعود مسرحية (رجل الثلج) للشاعر السوري المقيم في موسكو أيمن أبو الشعر إلى الواجهة، بعد صدورها باللغة الإنكليزية عبر واحدة من أضخم منصات النشر العالمية (أمازون)، لتفتح نافذة جديدة على مأساة إنسانية تتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ.
المسرحية، المكتوبة بروح روسية عميقة، تنطلق من حقبة الغزو النازي للاتحاد السوفييتي، لكنها لا تتوقف عند سرد الوقائع، بل تغوص في أثر الوحشية على النفس البشرية والبنية الأخلاقية للمجتمع، حين تختلط الحرب بالخوف، والنجاة بالوهم، والمقاومة بالانهيار الداخلي. ومن خلال حكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، ينسج الكاتب عالماً مسرحياً كثيف الدلالات، تتقاطع فيه الأسطورة مع التاريخ، والدين مع السياسة، والإنسان مع مصيره القاسي.
تدور الأحداث حول أسرة فلاحية روسية تضطر إلى الهروب من بطش الجيوش النازية إلى كهوف جبال القفقاس، معتقدة أن العالم الخارجي قد أُبيد بالكامل. أربعون عاماً من العزلة القاسية تتحول إلى مختبر إنساني مغلق، تتآكل فيه القيم، وتتفاقم الصراعات الداخلية، ويغدو البقاء ذاته سؤالاً أخلاقياً وجودياً. الكهف هنا لا يُقدَّم بوصفه مكاناً فحسب، بل يتحول إلى رمز للعزلة التاريخية وانقطاع الحقيقة، في استلهام واضح لقصة أهل الكهف، ممزوج بإشارات أسطورية وإنسانية عميقة.
ولا تكتفي المسرحية بإدانة الغزو النازي وما خلّفه من دمار، بل تفتح جبهة أخرى لا تقل قسوة، تتمثل في الفساد الداخلي. فمع دخول مسؤولَين روسيَين فاسدَين إلى الكهف هرباً من العدالة، يتداخل خطر (العدو الخارجي) مع انهيار القيم من الداخل، وتصبح الوحشية متعددة الوجوه، ويغدو الخوف أداة للهيمنة، والكذب وسيلة للبقاء. هذا التوازي الدرامي يمنح العمل بعداً معاصراً، ويحوّل المسرحية من سرد تاريخي إلى نقد أخلاقي مفتوح يصلح لكل الأزمنة.
قبل نشرها، عُرض مخطوط المسرحية على الكاتب العالمي جينكيز أيتماتوف، الذي روى لاحقاً أنه بدأ قراءتها ليلاً وهو ممدد على سريره بنية إكمالها في اليوم التالي، إلا أن النص استوقفه بقوة، فنهض وأعد فنجان قهوة وتابع القراءة حتى النهاية دفعة واحدة، في شهادة نادرة على قوة الجذب الدرامي واللغوي للعمل.
ويرى نقاد أن سر قوة (رجل الثلج) يكمن في أن مؤلفها شاعر يمتلك أدوات المسرح بعمق، ويعرف كيف يحوّل اللغة إلى فعل درامي نابض، من دون أن يفقدها كثافتها الرمزية. فالشخصيات ليست نماذج جامدة، بل كائنات حية، متناقضة، تحمل آلامها وأحلامها وهواجسها، وتتحرك ضمن بناء كلاسيكي محكم يعتمد تصاعد الصراع والحبكة الهرمية، ويوازن بين الفكر والحدث، وبين الإدانة وطرح الأسئلة المفتوحة من دون إجابات جاهزة.
النسخة الإنكليزية من المسرحية، التي ترجمها الإعلامي خالد زليطو وصدّرتها مقدمة نقدية متخصصة، فتحت الباب أمام وصول العمل إلى جمهور عالمي أوسع، وأعادت طرح السؤال حول إمكان تقديم (رجل الثلج) على خشبة المسرح بلغات متعددة. سؤال يبقى مفتوحاً، تماماً كما أراد له أيمن أبو الشعر، في مسرحية لا تتحدث عن الماضي فقط، بل تحذر من المستقبل، وتضع الإنسان وجهاً لوجه أمام هشاشته.. وأمام اختياراته.