السلام بالقبضة الحديدية
د. نهلة الخطيب:
كل شيء في العالم ملتهب: مؤامرات وصراعات وحروب وتحولات جيوسياسية خطيرة ولن تهدأ ما دامت هناك قوى تمارس البلطجة والانحطاط الأخلاقي وتسوق رؤيتها الخاصة للعالم بتقديم أمنها القومي كأولوية ولو كان على حساب دماء وجثث الآخرين، فالحروب ضرورة للسيطرة والهيمنة على منابع الطاقة والثروات ومقدرات الشعوب ومواجهة خطر القوى الصاعدة، سورية ولبنان واليمن وإيران وفنزويلا ملفات تتصدر المشهد بغفلة مقصودة عن غزة، حرب إسرائيل ما زالت مستمرة في غزة التي شهدت سقوط النظام الدولي والأمم المتحدة والقانون الدولي، متى كان هناك قانون دولي وآلاف المنكوبين في غزة يموتون وهم يطاردون رغيف الخبز ويبيتون في العراء بعد أن طارت خيمهم.
مازلنا نترقب مفاجآت ترامب والأحداث تتزاحم ولا يمكن فصلها فخيوطها بيده، ترامب ملك الاستعراضات يفعل ما يشاء (أنا أمريكا أنا العالم)، وأمريكا تنادي (أنا ربكم الأعلى فأطيعوني)، فهذه أمريكا لا إمبراطورية تشبهها ولا إمبراطورية قبلها ولا بعدها، السيطرة الأمريكية المطلقة اقليمياً وعالمياً وتثبيت قيادتها للعالم كقطب وحيد وعرقلة تقدم أي منافس، فنحن أمام حالة أمريكية تعبر عن المسار الجديد لاستراتيجية الدولة العظمى الخارجية في عدة ملفات لمواجهة خصومها، مبدأ مونرو لا يعني أن أمريكا تريد الانعزال وإنما تريد السيطرة على الأمريكيتين نطاق نفوذ صرف وحصري لأمريكا وهي ممنوعة على أي قوة عالمية أوربية أو غير أوربية بعد أن باتت الصين أكبر شريك تجاري لأمريكا اللاتينية وهو ما ترفضه أمريكا، فكل محاولاتها هي لجم التنين الصيني الذي يسيطر على أمريكا اللاتينية عبر فنزويلا أهم مورد للنفط الصيني، والبرازيل من خلال مجموعة البريكس الدولية المؤثرة عالمياً.
ترامب لا يحارب ولا يريد حروباً أو احتلالاً وتدخل جيوش، ولكنه يفرض السلام بالقبضة الحديدية، تصور جديد لمفهوم السلام الذي يعتمد على قطع الرأس السياسي لأي دولة تعارض السياسة الأمريكية بعد تشديد الحصار الاقتصادي وتفعيل المعارضة الداخلية، وبعدها تشظي النظام من الداخل دون أي تكلفة وفرض الهيمنة وتفتيت الدولة ووضع قاعدة عسكرية بكل جزء وحاكم مطيع، وهذا ما طبقه فعلياً في فنزويلا، وسيطبقه لاحقاً في كوبا وكولومبيا، شكل جديد للاستعمار غطاؤه مبدأ مونرو لابتلاع الجغرافيا بأمريكا اللاتينية الحديقة الخلفية لواشنطن وتحويلها إلى (جمهوريات الموز) وفق التعابير الأمريكية، واستخدام الفصل السابع لاحتلال الشرق الأوسط وتتويج نتنياهو ملكاً عليه هذا (الشعار المافيوي)، لا روسيا ولا الصين ستحميك لم ولن تتدخل في مقابل صمت أمريكي عندما تعيد الصين تايوان (فأمر تايوان متروك للصين والرئيس الصيني يمكنه أن يفعل ما يريد)، وأوكرانيا لروسيا، فهذه مرحلة تقسيم النفوذ بين أمريكا وروسيا والصين.
بدأ ترامب عامه بعملية استعراضية هوليودية لترمم الانهيار الاقتصادي الداخلي، عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو بمشاركة أكثر من 150 طائرة أمريكية F35 F22، لم يقتله محاولة لإهانة الشعب الفنزويلي وإذلاله، لا حرب أمريكية عسكرية في فنزويلا وإلا خسرها!! التاريخ يقول إن التدخلات العسكرية والانقلابات المدعومة من أمريكا تؤدي إلى كوارث تحصد حياة الآلاف وتدمر الدولة كما في العراق وأفغانستان وليبيا وسورية، لكن بتكلفة باهظة لها بالأرواح والعدة والهيبة دفعها للهروب، فأمريكا ليست بالقوة التي نراها وقد أثبتت فشلها في فيتنام وأفغانستان والعراق، إنما بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هيمنة جوية بتقنيات الحرب الإلكترونية، بعد أن بات التشويش والتحكم في الطيف الكهرومغناطيسي جزءاً محورياً من الاستراتيجيات الدفاعية والهجومية في الحروب، والاعتماد على الخيانة، فنائبة مادورو أصبحت رئيساً لفنزويلا!! وقد أعلنت الطاعة والنفط الفنزويلي لترامب وسيتم توزيعه وفق مصالحه، ها هو ذا يعلن حالة الطوارئ الوطنية لحماية عائدات النفط الفنزويلية.
القبضة الحديدية سيطبقها للسيطرة على أهم الممرات البحرية باب المندب ومضيق بنما وحتى مضيق هرمز عبر الضغط على إيران، إيران باتت دولة مارقة خرجت عن طاعته، يسعى ترامب لإزالة النظام الإيراني بتغيير الرأس وليس تغيير الدولة، وهو نموذج شبيه بنموذج فنزويلا، والتغلغل داخل النظام نفسه ليتمكن من خامنئي مقابل صفقة عدم سقوط الدولة، فهل هناك قيادات إيرانية ستستجيب لمخطط أمريكا؟ تظاهرات إيران لإسقاط النظام داخلياً وتهديدات ترامب لحماية المتظاهرين حامل رسالة السلام والإنسانية نثر المحبة على أطفال غزة ونسائها. في سورية صراع مستمر وقصف يومي ووضع شديد الاضطراب ينذر بحرب قريبة جداً. في لبنان واليمن حرب بين دول وجماعات مسلحة وصراع نفوذ عالمي بلغ ذروته، وهنا لا يمكن إغفال اجتماع ترامب ونتنياهو الأخير، فقد وضعت فيه اللمسات الأخيرة على التشكيلات الجيوسياسية التي تعتمد على إسقاط الأنظمة للدول المعادية.
ترامب بطل يهدد وينفذ فوراً إنزال جوي على سفينة روسية لفرض السيطرة على المحيط الهندي والمحيط الأطلسي وبعدها يكون العالم خاضعاً لأمريكا!! لا علم ولا سيادة مفتوح للجميع، اليوم النفط الفنزويلي وغداً دولة أخرى، قرصنة دولية برعاية أمريكية وترامب يتجاوز الخطوط الحمراء الأكثر خطورة وهي المحيطات لفتح مواجهة مباشرة بين قوى نووية، روسيا تراقب بحذر!! تجسد بتصعيد غير مسبوق على كييف بصواريخ أوريشينك برؤوس نووية برسالة موجهة لترامب ولأمريكا وأوربا، تزامنت مع مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين وإيران وجنوب إفريقيا ضمن إطار مجموعة البريكس لحماية الممرات البحرية، بعد احتلال فنزويلا وتهديد إيران لن يبقى للصين إلا الالتفاف عبر جنوب إفريقيا.
ترامب يريد أمريكا عظيمة مجدداً وطموحاته الجيوسياسية بأوربا والسيطرة على غرينلاند المصنفة أمن قومي لأمريكا والممرات القطبية في كندا وفنلندا ولاحقاً النفط النرويجي بوابة لاحتلال القطب المتجمد الشمالي، لا يريد المنافسة الصينية والروسية حيث الثروات والممرات، فالصراع على الطاقة والممرات والتكنولوجيا بين أمريكا وكل قوى العالم بلغ ذروته، محاولة أمريكا السيطرة على ممرات العالم بالطرق العسكرية تغرق نفسها بسلسلة صراعات مفتوحة من أمريكا الجنوبية إلى نيجيريا إلى غزة إلى التصعيد في إيران، لا لحرب عالمية حالياً بل صفقات سياسية لتقسيم النفوذ بين القوى العظمى وأوربا خارج المعادلة، فسياسات ترامب تضعف أوربا وتقسم الغرب وهذا الشيء سيخدم روسيا والصين، ترامب كسر كل الحواجز والأعراف والمؤسسات الدولية ونفذ شعار القوي يفعل ما يريد على المدى الآني، ولكنه على المدى الاستراتيجي سيجعل شعوب العالم تقف بمواجهته، فهل نشهد مواجهة بين أمريكا وأوربا؟!