الضفة الغربية على طريق غزة
د. صياح فرحان عزام:
من الملاحظ مؤخراً أن التدمير انتقل إلى الضفة الغربية، فقد جرى عزل مخيماتها، وتعالت الأصوات العنصرية الصهيونية، مطالبة بتهجير سكانها، خاصة أن كيان الاحتلال لا يجد أمامه من (يلجم) متطرّفيه، لا أحد، كلّهم في هذا العالم الشاسع يتحلّى بأقصى درجات الجبن، ومن لا يردع قولاً أو فعلاً يخرج عن نطاق السيطرة، مثله مثل الطفل المدلل الذي لا يردع عن تصرفاته الخاطئة، وهو يعتقد جازماً أنه يفعل الصواب!
فمنذ بداية حرب الإبادة على غزة، هذه الحرب التي بررها قادة الدول الغربية الكبرى بأنها (دفاع عن النفس) لم تسلم الضفة الغربية من الممارسات العدوانية، سواء من الجيش الصهيوني، أو من قوات الأمن التي يقودها الإرهابي المنفلت بن غفير، أو من المستوطنين المسلحين بموافقة حكومة العدو الصهيوني، وجرى أسر أكثر من ثلاثة آلاف شاب دون تهم ودون مبررات، وقُتل المئات في عمليات تصفية منظمة وممنهجة، وهُدمت بيوت، واقتلعت أشجار زيتون وصودرت أراضيها.
إزاء ذلك، ماذا كان رد فعل الدول الغربية؟ كان الرد هو (التفكير)، مجرد التفكير، في وضع ثلاثة مستوطنين أو أربعة على قوائم عدم دخول بلادهم.
وفي رام الله سكتت السلطة الرسمية، فكأنها لا ترى ولا تسمع، منشغلة بما ستحصل عليه بعد الانتهاء من الحرب على غزة، ولم يقم قادة السلطة بتفقد المناطق المنكوبة في الضفة، ولم تتحرك البعثات الدبلوماسية في المحافل الدولية، وأطلقت (فقاعة) ذهاب رئيس السلطة ومساعديه إلى غزة، ومنها إلى القدس، بمساعدة مجلس الأمن الدولي!
لا شك بأن قرارات وسياسات كيان الاحتلال تنبع من رؤية ومنهج واستراتيجية قائمة على مشروع تاريخي يرتكز على أفكار دينية توراتية من أبرز هذه الأفكار:
– أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، هي أرض يهودية أمس واليوم وغداً.
– الاستيطان هو حق مكتسب، ولا يعتبر احتلالاً، لأن المستوطنين هم أصحاب الأرض الحقيقيون تاريخياً، لذلك فهم- وفق هذا المفهوم- يعيدون لما يسمى (الشعب اليهودي) ما سُلب منه تاريخياً!
إذاً، الفهم الدقيق للعقلية التي تدير سياسة الكيان، هو الفهم الصحيح لكيفية إدارة الأزمة مع من يحكم الكيان، وبالتالي فإن نتنياهو هو النسخة الكاشفة الواضحة للمشروع الصهيوني.
وعلى إيقاع ما يجري في قطاع غزة من مذابح وتهجير وتجويع، برز حدث اجتياح جيش الاحتلال للضفة الغربية، حيث تدور مواجهات ساخنة بين المقاومة وجيش الاحتلال.. وكان اللافت هو إعلان قيادة الكيان تعيين حاكم مدني للضفة الغربية، وهذا ما قرأه العديد من الباحثين والمراقبين السياسيين، وبضمن ذلك مصادر فلسطينية، على أنه يجسد قراراً عملياً بإنهاء السلطة الفلسطينية والتمهيد لفرض معادلة تربط أي اتفاق في غزة بالتسليم الأمريكي والأوربي والعربي بفرض سيطرة الكيان على الضفة الغربية.. ومما يدل على ذلك ما أقدم عليه جيش الكيان من تدمير للبنية التحتية للمدن والمخيمات، وحصار المشافي، وعدم وجود مناطق آمنة، أو الحديث عن ترحيل للسكان في جنين ونابلس وطولكرم، ومساع حثيثة لتجاوز اتفاقات أوسلو والذهاب إلى ضم الضفة الغربية، وكذلك تجاوز اتفاق وادي عربة واتفاقية كامب ديفيد- كما تجلى الأمر تجاه معبر رفح ونتساريم ومحور فيلادلفيا.
الخلاصة.. لا يملك فلسطينيو الضفة الغربية ولاسيما أهالي جنين وطولكرم ونابلس وطوباس وما حولها من مخيمات إلا الصبر والاحتمال والصمود والمقاومة، على غرار ما أظهره أهالي غزة ومقاومتها من صمود أسطوري ومقاومة بطولية نادرة.