تحدّيات الثقافة في البلدان العربية
يونس صالح:
تثير الأوضاع الثقافية في العالم العربي الأسى والأسف نتيجة انحسار دور الثقافة ودور المثقفين في توجيه الأمور وتسييرها وفقاً لما كانت عليه الأوضاع مثلاً في الربع الأول من القرن العشرين، حينما كان المثقفون الكبار يوجهون لا مسيرة الثقافة فقط، ولكن مسيرة السياسة العامة في بلدانهم أيضاً. لقد انحسر هذا الدور إلى حد كبير، كما انحسر دور المثقفين كذلك في تكوين الرأي العام.
ومن هذه الناحية، فإن الوضع الثقافي يثير الأسى، فضلاً عن الضغوط التي تفرض على المثقفين من قبل السلطات والمجتمع، وهي إما ضغوط واضحة في شكل قيود وشكل رقابة، وإما غير واضحة نتيجة للتخوف الداخلي عند المثقفين من إبداء آرائهم حتى لا يتعرضوا للبطش، والأمثلة كثيرة جداً في عالمنا.
أما ما يتعلق بالتحديات التي تواجه المثقف والثقافة عندنا، فهما يواجهان تحديات كثيرة يمكن ذكر بعضها:
* التحدي الأول: هو إثبات الذات، أو إثبات هوية الثقافة وذاتية الثقافة عندنا، فنحن لا نعرف ذاتية الثقافة عندنا، ونتشكك فيما إذا كانت هناك ثقافة لدينا أم لا.
* التحدي الثاني هو مسايرة التغيرات العالمية ومسايرة التيارات الفكرية الكبرى التي يزخر بها العالم الخارجي. صحيح أننا نطّلع على بعض هذه التيارات، إنما المسألة ليست مسألة اطلاع، المسألة مسألة المعرفة والدراسة والهضم، والنقد. نحن نأخذ القشور ونتكلم عن القشور دون أن نحلّلها من الداخل، وأهم من ذلك أن نطوّعها لخدمة ثقافتنا نفسها.
* التحدي الثالث: هو ضرورة عرض وجود ثقافتنا على الساحة العالمية، وهذه مسألة يطول فيها الشرح، إنما هذا التحدي لا بدّ أن نواجهه في الوقت الحالي توطئة لما سوف يحدث في السنوات أو العقود المقبلة.
* التحدي الرابع هي الأمية، وهي قضية أساسية، فعند الحديث عن الثقافة لا يقتصر الأمر على منتج هذه الثقافة، ولكن أيضاً متلقّيها. لقد بلغ عدد الأميين في البلدان العربية عام 2010 حسب أرقام اليونيسكو 120 مليون شخص، وبالطبع فإن هذا الرقم مخيف، إذ تصل نسبتهم إلى 33% من مجموع السكان، ومن المتوقع أن تزيد الأعداد المطلقة نظراً للنمو الديمغرافي الخارق للمألوف في بلداننا.. وأوضح صورة لهذا التحدي هي المقارنة التالية التي وردت في إحصاء اليونيسكو الذي يعود إلى 2010 فقد ورد فيه أن ما يقرؤه الفرد الياباني يعادل على سبيل المثال 144 ضعف ما يقرأه العربي.
لقد أصيب الواقع الثقافي في العقود الثلاثة الأخيرة بتدهور ملموس، وبالتالي لعلنا قد وضعنا أيدينا على سرّ أساسي من أسرار التخلف العربي: حاجز الأمية.