لماذا فعل الكتابة؟
د. أحمد ديركي:
منذ أن عرف الإنسان الأحرف الأبجدية وحدد طرق كتابتها صانعاً من هذه الأحرف كلمات لها دلالات، وجمل كاملة ليعبّر من خلالها عما يجول في رأسه من أفكار، يتبادلها مع أبناء جنسه، والكتابة والكلمات في حالة تطور. تطورها ناجم عن تطور الفكر البشري.
أي أن الكتابة ابتداع بشري، لا هي بذاك الشيء السابق على الوجود البشري ولا هي بذاك اللاحق له، بل هي ذاك الشيء المرافق لوجوده. تتطور بتطور فكر الإنسان وترقي برقي فكره. لكن اليوم هناك العديد من أصحاب النظريات الذين يقولون إننا نعيش (في اللغة) معتبرين إياها (أرقى) من الجنس البشري، وكأنها ذاك (المخلوق) المنفصل عنا. فالعيش (في اللغة) يعني أن اللغة، والكتابة جزء منها، أكبر من الإنسان لذا يعيش الإنسان (في اللغة). انطلاقاً من بداهة أن الجزء أصغر من الكل، والكل أكبر من الجزء، يصبح العيش (في اللغة) أمراً محتوماً، لأن اللغة هي (الكل) والإنسان هو (الجزء)، وإلا استحال العيش (في اللغة).
وكم من الكتابات والمؤلفات والفلسفات الداعمة لهذه المقولة والسابحة في عالم التجريد وصولاً إلى جعل (اللغة) أسطورة ميتافيزيقية. ويعمل هؤلاء اللغويون المتفزلكون على تصوير اللغة على أنها لا ميتافيزيقية، معتبرين أنفسهم لا ميتافيزيقين، لكنهم يستخدمون الميتافيزيقيا بكل أشكالها، ما دمنا، وفقاً لأقوالهم، أي بمعنى أنها أكبر من الإنسان لتستوعب عيشه بها، ألا يعني هذا أن الإنسان أصغر من اللغة ولا يمكنه استيعابها، لأنها دائمة التطور. وبكونها أكبر منه فهي تتطور بطريقة أسرع منه. فتصبح الكتابة تعبيراً عن عجز الإنسان عن استيعاب اللغة بكلّيتها.
ما دامت الكتابة تعبيراً عن عجز الإنسان، فلماذا يكتب؟ أو حتى لماذا يتكلم؟ فلتكن اللغة التي نعيش فيها هي من يقودنا ويعبر عنا، وما نحن البشر إلا أداة من أدوات اللغة. وما الكتابة إلا أداة أخرى من أدوات اللغة المستخدمة لنا، لا نحن المستخدمون لها. فيصبح الإنسان من هلال هذه المقاربة، ذاك المخلوق البريء من كل أفعاله لأنه مجرد أداة من أدوات اللغة. وكل ما يقوله أو يكتبه ليس قوله وليست كتابته، بل قول وكتابة اللغة المتحكمة به. فالبشر بريئون من أفعالهم وأقوالهم. من المسؤول عن هذه الأقوال والأفعال؟ اللغة! وبهذا استعاض هؤلاء المتفذلكون عن الله باللغة.
اللغة لا هي سابقة ولا هي لاحقة على الإنسان. بل هي جزء من التاريخ التطوري للبشر، وهي ابتداع بشري، وهنا يمكن العود إلى (ديالكيتكيك الطبيعة) لبداية التعرف على كيفية تطور اللغة وما لحق بهذا الحقل المعرفي من تطورات.
الإنسان هو المسؤول عن لغته، من أقوال وكتابات، وكل كلمة ينطق بها أو يكتبها هو المسؤول عنها. فعلى سبيل المثال لا الحصر، عند القول، أو عند كتابة: فلسطين المحتلة، فمن قال أو كتب هذا هو المسؤول عما قال أو كتب، وليست اللغة هي المسؤولة عن هذا. فالنضال والفكر النضالي التحرري المعبر عنه باللغة، وبخاصة في الكتابة، هو نتاج فكر بشري تحرري مقابل فكر استعبادي غيبي يأخذ راهناً اللغة كأداة استعبادية له ليبرّئ نفسه من كل أفعاله الاستعبادية. فتدخل الميتافيزيقيا مجدداً في الفكر في محاول لتشويه الوعي ولكن بطريقة معاصرة.
لا تكن ذاك الإنسان المسلوب من فكرك الهارب من نضالك، قل واكتب ما تريد لأنك مناضل في سبيل تحرر الإنسان ولست ذاك المستلب المستعبد من فكرك. فالخيار خيارك لا خيار اللغة. لهذا فعل الكتابة نتاج بشري لتحدد من خلاله موقفك.