تطوير العمل الاقتصادي في سورية في ظل بيئة من التحديات الدولية
(أعلم أن لا أمل في تحقيق ما جاء في هذه المقالة في الظرف الراهن، ولكني أترك ذلك للمستقبل)
يونس صالح:
إن التحديات الجديدة، وتوجّه العالم المتقدم نحو المزيد من المنافسات المبنية على الجودة والتسعير المناسب، تفرض علينا أن نضع معايير جديدة للإدارة الاقتصادية، وللسياسة الاقتصادية بصورة عامة، حتى نتمكن من ولوج العصر باقتدار ومهنية، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟
تتميز سورية بإمكانيات اقتصادية وبشرية جيدة، ولكنها لاتزال ضعيفة من حيث التكوينات الاقتصادية والإدارية والتطورات التقنية، وهي تعاني اختلالات في البنية السياسية واستغلال الموارد الطبيعية والبشرية.. كما أن تطوير العمل الاقتصادي في سورية، في ظل بيئة من التحديات الدولية القائمة على الانفتاح على التطورات الاقتصادية في العالم، يتطلب تطوير البيئة الاقتصادية عندنا، وجعلها أكثر قدرة على استيعاب المستجدات.. ومن أهم الأمور التي تستدعي المعالجة هو تحديث الإدارة الاقتصادية ورفع الكفاءة، بحيث تصبح تلك الإدارة متوافقة مع ما يجري العمل به في العالم المتقدم. وكما هو معلوم فإن الإدارة الاقتصادية قد أصبحت علماً مستقلاً منذ أمد طويل، لكن الاستفادة من هذا العلم عندنا مازالت محدودة جداً، فالتعيينات في المواقع والمناصب المتعلقة بالمؤسسات الاقتصادية لا تعتمد على أسس موضوعية، ذلك أن الاختبارات لهذه المناصب مرتبطة بالولاء السياسي أو العلاقات الاجتماعية أو العشائرية أو الأسرية. ولقد أدت النزعة نحو الاقتصاد الموجه سابقاً عندنا، إلى توسيع قطاع رأسمالية الدولة، وإلى هيمنة البيروقراطية على المقاليد الاقتصادية في ظل غياب الديمقراطية، وإلى إفراغ الإدارة من المحتوى الفني والمهني، ونتيجة لذلك أُبعدت العناصر الأكثر كفاءة وأصبحت المؤسسات تسيّر بمعايير لا تمت للإدارة الاقتصادية بصلة.
إن هناك شوطاً طويلاً حتى نستطيع اللحاق بالعصر الحديث وقيمه، ولا شك أن من أهم العناصر التي ستعجل اللحاق بالعصر، تطوير أنظمة التعليم، والارتقاء بالتعليم العالي والمهني لكي تكون مخرجات التعلم متمكنة من العمل في مختلف القطاعات الاقتصادية بدرجة من الكفاءة تضاهي ما هو موجود على الأقل في بعض البلدان النامية الآخذة بالتطور على غرار بعض دول أمريكا اللاتينية أو شرق آسيا. إن الإقرار بأن التطوير اللازم لمواجهة العصر وتحدياته يتطلب معالجة الاختلالات المؤسسية والإدارية، ودعم الجهود الهادفة لتعظيم قدرات الأفراد.
ومن جهة أخرى لابد من العمل لتأكيد دور القطاع الخاص الإنتاجي في التنمية وإدارة المؤسسات الاقتصادية، ولا شك أن على القطاع الخاص الإنتاجي أن يزيد من مبادراته ويعمق دوره في الحياة الاقتصادية، وأن يتخلص من نزعة الاتكالية، وأن يعمل على توظيف أمواله في البلاد، التي يجب عليها أن تعمل حثيثاً من أجل إصلاح هياكلها وأنظمتها وتطوير قوانين الاستثمار فيها، ودون ريب فإن القطاع الخاص الإنتاجي يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تعزيز القدرات الاقتصادية عندنا لمواجهة التحديات الاقتصادية.
إذاً، خلاصة الحديث، أن أمامنا شبكة من العناصر الواجب معالجتها في سبيل الارتقاء بالأوضاع الاقتصادية حتى يمكن تحقيق القدرة على مواجهة العصر والتطورات الاقتصادية الجديدة، ومن الطبيعي أن النظام الذي يعتمد الديمقراطية منهجاً لا بد أن يساهم في معالجة كل الاختلالات الاقتصادية التي سبق الإشارة إليها بأساليب موضوعية ودون حرج يذكر.