(حين لا بلاد)

حسين خليفة:

كُنّا شباباً وكانت الأحلام تحاصرنا، أو كانت حياتنا حافلة بالأحلام من صغيرها إلى كبيرها.

لم يكن وضع البلد جيداً كما يُردّد البعض من أصحاب مقولة (كنا عايشين)، لكن كان هناك متسعٌ للأحلام.

كُنّا نعيش أزمات معيشية متلاحقة نتيجة نهب الثروات الوطنية من قبل الطبقات الحاكمة والمتحالفة ورعايتها للفساد الكبير برموزه ومواقعه، وكُنّا نحلم بيوم نُقصي فيه الفساد الكبير ورموزه الفاقعة التي يحفظ السوريون أسماءهم واحداً واحداً، كُنّا نحلم بعدالة اجتماعية حقيقية، بسيادة القانون، بمواطن سوري لا يهاجر إلى لبنان أو الخليج ليؤمّن قوت عائلته، بل أن يهاجر إلينا الناس ليعملوا في مصانعنا وحقولنا ومؤسساتنا.

كانت الحريات الديمقراطية في أسوأ حالاتها، السجون تبتلع كل من حاول رفع الصوت في وجه الاستبداد، لا تعددية حزبية حقيقية، لا صحافة حرّة، بل يمكن القول إنه لم تكن هناك صحافة بمعنى الكلمة سوى في محاولات محدودة لم تدم طويلاً، لم تكن هناك مؤسّسات ديمقراطية مُنتخبة، لكننا كُنّا نحلم ونناضل، أو نحلم بأننا نناضل من أجل بلد حرٍّ ديمقراطي تعددي حر موحد.

لكن شباب هذه الأيام يحسدون جيلنا على ما عاشه من صراعات وما حققه أو لم يحققه.

شباب هذه الأيام تبخرت أحلامهم كلها، بل اغتصبت الحرب أحلامهم، فصار العيش، مجرّد العيش، حلماً دونه خرق القتاد، ولأنه لا يمكن أن يبقى جيل الشباب بلا أحلام صارت الهجرة حلماً وحيداً لشباب سورية.

غالبية الشباب ينحصر تفكيرهم في جواز السفر أولاً بسبب صعوبة الحصول عليه وارتفاع تكاليفه، لينتقل إلى حلم الهجرة من البلد ثانياً.

لم يعد هناك وهمٌ بالتغيير أو الإصلاح أو ترميم الخراب، لم يعد هناك وهمٌ بتأمين فرص عمل للشباب والشّابات طبعاً، على الأقل في ظلِّ استمرار الحالة القديمة رغم كل ما حدث منذ عام 2011.

لذلك لم يبقَ أمام شبابنا سوى حلم السفر والاغتراب، سواء اللجوء إلى بلاد الغرب الأوربي، أو العمل في الخليج، أو إقليم كردستان، أو لبنان، أو إفريقيا!!

لم يبقَ بلدٌ في العالم إلاّ وقصده شبابنا لعلّهم يبنون مستقبلاً لهم ولأهلهم خارج هذا السجن القاتل للحلم.

نحن الذين نعيش عقدة الذنب بأننا كُنّا المُسبّبين في قدوم هؤلاء الشباب إلى الحياة وتركهم نهباً للحرب والقمع والخوف وانعدام فرص الحياة.

كان علينا أن نقرأ أبا العلاء المعري جيداً حين كتب ما صار وصية له:

هذا جناه أبي عليّ وما جنيتُ على أحد!

وألّا نأتي بأبناء وبنات في ظلِّ بلاد لا تترك لك مُتّسعاً لحلم.

أتذكّرُ في هذا السياق عنوان مجموعة قصصية لجميل حتمل الذي عاش وتوفي في منفاه قبل أن تندلع الحرب بسنوات طويلة: (حين لا بلاد) وهو ما استعرناه عنواناً للمقال.

نحن، المحسودين على زمننا الذي سبق الحرب أو مهّد لها في الحقيقة، ما قبل وصول المواجهة مع ماكينة الخراب إلى أقصاها، لأننا كُنّا نصدق أحلامنا، نتحمل مسؤولية كبيرة فيما آلت إليه أمور البلد والشباب تحديداً.

حين نتأمّل في مستقبل البلد بعد هذا النزيف الهائل والمستمر لشبابه نجد ظلاماً دامساً.

الذين فرّوا من الخراب سيجدون هم وأبناؤهم بيئة حاضنة للإبداع والعمل، سيندمجون في مجتمعاتهم الجديدة وتصبح سورية بالنسبة لهم جزءاً من تاريخ مؤلم وجارح، حيث تعرّض أجدادهم لأبشع عملية استباحة في التاريخ لم يقم بها غزو أو احتلال، بل قام بها أناسٌ من البلد.

الذين بقوا وسيستمرون في عناد البقاء سيتحوّلون إلى أحد خيارين: إمّا أن يدخلوا إلى ماكينة الفساد والإفساد ولو كبراغي وقطع صغيرة سرعان ما سيتمُّ استبدالها، أو أن ينقرضوا في السجون أو جوعاً وقهراً وخوفاً.

أتمنى أن أكون مُخطئاً في قراءتي هذه أو مُبالِغاً في التشاؤم.

أتمنى أن اكتشف غداً أو بعد غد أن البلد فيه احتمالات أخرى للشباب لم ألحظها بسبب الغبار الكثيف والدخان الأسود الذي يتصاعد من حرائق لم تنطفئ بعد.

نُردّد مع محمود درويش:

تلك بلادنا حُبْلى بنا.. فمتى وُلدْنا؟
هل تزوَّج آدمُ امرأتَين؟ أَم أَنّا
سَنُولَدُ مرّةً أخرى
لكي ننسى الخطيئة؟

 

العدد 1110 - 05/6/2024