انكسار النفوذ الغربي على القارة السمراء
د. صياح فرحان عزام:
مؤخراً قامت نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس بجولة في ثلاث دول إفريقية هي غانا وتنزانيا وزامبيا، إلا أن هذه الجولة لم تحظَ باهتمام إعلامي وسياسي وشعبي كما جرت العادة مع أسلافها في الإدارات السابقة، عندما كانوا يحطّون رحالهم في القارة السمراء. ما حدث مع هاريس حدث قبلها أيضاً في جولة وزير الخارجية الأمريكية أنطوني بلينكن قبل أسابيع، ومع هذا كرّر المسؤولان الأمريكيان الشعارات المألوفة نفسها عن استمرار الولايات المتحدة الأمريكية في تقديم المساعدات وحماية حقوق الإنسان وإدانة الاستعمار السابق (تجارة الرقيق)، ومحاربة الأمراض والأوبئة، والتصدي للإرهاب، ومكافحة الجرائم المنظمة.
غني عن الذكر أن الأفارقة شبعوا حدّ التخمة من التعهدات والوعود الغربية والأمريكية، التي اتسمت بقدر كبير من التعالي ومن دون أن يتحقق شيء يذكر منها، وبعد صبر طويل ومعاناة حقيقية لشعوب إفريقيا، لم تعد دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا عنواناً جاذباً لها، ولا حتى موضع ثقة واطمئنان، وكذلك الأمر بالنسبة لمعظم الحكومات الإفريقية، بل إن هناك عدداً من القادة الإفريقيين وخاصة الجدد منهم في أنغولا والكونغو الديمقراطية ومالي وبوركينا فاسو يخوضون تمرداً رسمياً على الماضي وعلى سياسات من سبقهم، وكأنهم يستكملون ما بدأه زعماء التحرر من أمثال باتريس لومومبا وجومو كينياتا وكوامي نكروما، وهم زعماء كما هو معروف، تورطت القوى الغربية الاستعمارية في تصفيتهم جسدياً وسياسياً من أجل إبقاء هيمنتها على دول القارة السوداء، حتى بعد أن نالت هذه الدول استقلالاً شكلياً مزعوماً لم يحرّرها مطلقاً من سياسات الاستغلال والنهب وسرقة الثروات والتآمر المستمر.
كذلك الأمر، قبل أسابيع حاول الرئيس الفرنسي ماكرون أن يتدارك تدهور ثقة الأفارقة ببلاده وحلفائها، وأعلن في كينشاشا انتهاء حقبة (فرنسا الإفريقية) وتأسيس نمط جديد من العلاقات بين فرنسا والدول الإفريقية يقوم على أسس الشراكة والتكافؤ والندية، ولكن هذه الأفكار والطروحات لم تنطلِ على الأفارقة، حتى إنها جوبهت برفض شامل وبانتقادات لاذعة وشديدة، لأن الغرض منها ليس مساعدة الدول الإفريقية، بل مواجهة روسيا والصين اللتين تكتسحان كل دول جنوب الصحراء، وتلقيان ترحيباً ورضا يثيران الشكوك والريبة في أمريكا والدول الأوربية الكبيرة وغيرها.
ومن دون مقدمات، فقد أصبح نفوذ موسكو وبكين في إفريقيا يتسع ويتعاظم بسرعة منذ بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، كما أن الصين وروسيا قدمتا مساعدات كبيرة لعدة دول إفريقيا من دون شروط تعجيزية، ومن دون ضجيج إعلامي كما يفعل الغرب بالنسبة لمساعداته التي لا يقدمها إلا بشروط وتنازلات مذلة تصب في مصلحة هذا الغرب، علماً بأن المساعدات الغربية إن حصلت تكون ضئيلة.
ومن الواضح أيضاً أن السياسات الصينية والروسية تلقى قبولاً لدى الأوساط الشعبية، بدليل التظاهرات الكبيرة المؤيدة لموسكو في عدة عواصم إفريقية، بسبب ما يرونه من دور روسي في دعم الاستقرار ووقف دوامة الانقلابات العسكرية والتصدي لحركات التمرد والإرهاب، وبالتوازي مع ذلك هناك حالة رضا عامة عن مشاريع التنمية الصينية، وحرص بكين المبدئي على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وهو عكس ما تفعله الدول الغريبة وتشهد عليه أزمات وحروب ظلت تنخر عقوداً عدداً من دول القارة الإفريقية.
باختصار.. ما هو ملموس وواضح لكل متابع لشؤون القارة السمراء، أن النفوذ الغربي فيها ينكسر، وأن الشعوب الإفريقية ونخبها الجديدة استعادت من الذاكرة الميراث الغربي الاستغلالي السيئ من استعمار واستبداد ومذابح وتجارة رق وسياسات تفقير ونهب، في حين أن النظرة إلى روسيا والصين مختلفة تماماً وإيجابية جداً.