مقياس الذكاء.. بين الماضي والحاضر

وعد حسون نصر:

سابقاً وفي زمن حلقات العلم (الكُتّاب) كان الذكاء يُقدّر بمدى حفظ الطفل للقرآن الكريم وجدول الضرب، ومع التطور شيئاً فشيئاً بات الذكاء يُقاس بالنجاح وشهادات التقدير، ورويداً رويداً بمدى تفوّق الطفل في المسابقات على مستوى المدرسة والمنطقة والقطر. أمّا اليوم، ومع الحداثة والغزو البرمجي لحياتنا فقد باتت نسب الذكاء بين الأطفال وحتى اليافعين والكبار تُقاس بمدى تجاوبهم مع هذه البرمجيات ومدى تفاعلهم معها، فغدا بقاء الطفل أمام الحاسوب والجوّال لساعات وساعات يُعدّ ذكاءً مفرطاً لدى هذا الطفل!!

نحن لا ننكر أن زمننا يختلف كثيراً عن زمن أطفالنا، وخاصةً من حيث التعامل مع الحداثة والميديا والإلكترونيات، فنحن للأسف ما زلنا، في حالاتٍ كثيرة، نقف عاجزين أمام التطور من حولنا، في الوقت الذي يأتي طفل صغير فيحلُّ لنا مشكلة بالجوّال أو الحاسب أو حتى في جهاز التلفاز وقنواته، لكن هل هذا يعني بالضرورة أن الطفل يفوقنا ذكاءً، وأنّنا عاجزون عن مواكبة الحداثة؟! لا، على العكس تماماً لأن معطيات الحياة اختلفت من زمن إلى آخر، وبالتالي فإن ولادة هذا الطفل مُحاطاً كل يوم بجهاز واختراع جديد فرض عليه أن يكون مواكباً للحداثة، فصار قادراً على التعامل مع ما حوله من منتجات هذه الحداثة بطلاقة أكثر منّا نحن من دخلت عليهم الحداثة وبرمجياتها في غفلة من الزمن ولم تولد معنا كما ولدت مع أطفالنا، لذلك من الغلط قياس نسبة الذكاء بمدى تعاملنا مع الأشياء، فلكل زمان أُناسه ولكل مرحلة روّادها، وبالتالي فالكثير من أطفال هذا الزمن يعيشون حالة عزلة وعدم تأقلم مع من حولهم، كثيرون منهم عباقرة بجوالاتهم والألعاب داخلها، لكنهم لا يملكون حياة اجتماعية تشاركية مع من حولهم. وكثيرون من المُسنين والشباب خرجوا من قوقعة العجز في التعامل مع البرمجيات والحاسوب والجوال وتابعوا دورات تؤهلهم وتُدرّبهم على كيفية التعامل مع كل جديد، لذلك يجب أن نُعيد النظر بكيفية تقييم الذكاء والأذكياء بين جيلنا وجيل آبائنا وأولادنا وأجدادنا، فالمقارنة مرفوضة لأن لكل زمن روّاده، ففي زمن المُعلّقات كانت الجدران خير مُخبر عن المبدعين، وبزمن الكُـتّاب كانت المجالس خير مخبر عن روّادها، وبزمن آبائنا كانت مقاهي دمشق تعجُّ بشعرائها وكتّابها ونواديها العلمية وجامعاتها  التي كانت خير من صدّر للعالم أدباء وأطباء ومهندسين، وفي زمننا ضعنا للأسف بين الحاضر والماضي، ورغم هذا الضياع أبدع كثيرون منّا وكانوا خير سفراء بين الجيلين. لذا، فلا مجال للمقارنة لأن الذكاء نسبي وإن ولِدَ مع الشخص فهو يحتاج إلى بيئة جيدة ونقية وحاضنة تحتضنه لينمو ويكبر ويصبح نافعاً، وإن كان نتيجة خبرة وتدريب يجب أن يستمر بالوتيرة نفسها، وأن (يُحدّث) نفسه مع كل جديد ليبقى مثمراً يتذوقه كل متعطّش للنفع، فبين الماضي والحاضر اختلف المقياس، ودوماً هناك شخص هو من يصنع الذكاء ليُنسَب إليه، لا العكس.

العدد 1194 - 15/04/2026