زحمة ومعاناة في مسابقة التوظيف المركزية

حسين حسين:

وجوهٌ بائسة وشباب محبط يتأبط حصيلة علمه وخبراته المهنية في مصنفٍ أبيض أو أخضر، وكلّ أمله وظيفة براتبٍ لا يكفيه عدّة أيام من الشهر، ولسان الحال يقول: الرمد أفضل من العمى!

ومن مركزٍ إلى آخر يتراكض الشبّان الباحثون عن قشّة يتعلّقون بها، غارقين في ازدحامات وسائط النقل وفي الشوارع وعند أسوار المحافظة. يتسلق موظفٌ السور وينادي: من فلان ابن فلان؟ ترتفع يد ويندفع أحدٌ كالسهم خارقاً الصفوف، يدفع هذا ويرفس ذاك، ومرة أخرى يدخل موظف آخر ساحباً وراءه متقدمين آخرين، وكم تتمنى في مثل هذه اللحظات أن يكون لك وراء هذه الأسوار أحدٌ ما ولو كان عامل نظافة، يأخذ بيدك ويمضي بك كالقارب وسط هذا البحر البشري الأربد.

ولو كانت المعاناة تنتهي بيوم واحد لعضّ المواطن على جرحه وصبر، ولكنك مجبرٌ على أن ترابط من بكور الصباح على الأسوار لتحصل على كرتٍ للدور، وإلا وجب عليك ان تنتظر توزيع الدفعة الثانية، وبذلك تنتهي معركتك الأولى بحصولك على كرت الدور، وشعور من التعالي على أقرانك غير الحاصلين على الكرت تعلو وجهك، وتعلق مرةً أخرى في زحمة المواصلات والالتصاقات رغم إصرار الحكومة على التباعد الاجتماعي.

وفي اليوم التالي، وما إن تصير داخل الأسوار بعد إشهار كرت الدور حتى ينتابك شعور الفاتحين: نعم، أنا نابليون بونابرت! بل يوليوس قيصر! ولكن لا يا صديقي، فلأنك بحاجة إلى فرصة عمل، ستقف ذليلاً مرعوباً أمام أي ورقة رسمية معلّقة على جدار أو شرطي أو موظف يمر بقربك داخل هذه الأسوار. وبين دخول وخروج وجلوس ووقوف وصراخ الموظفين، تحسب لوهلة أنه لم يبقَ إلا أن يطلبوا منك ان تقف ووجهك إلى الحائط وإحدى رجليك مطوية كما في عقوبات المدارس الابتدائية. وهكذا يكون تبسيط الإجراءات التي تحدثت عنها وزارة التنمية الإدارية، وهل كان من الصعب على هذه الوزارة وهي التي أُحدثت وأُتمتت أن تجد طريقة لتخفيف الازدحامات على مثل هذه المسابقات، كتخصيص أسبوع مثلاً لكل فئة من فئات المتقدمين، وعدا ذلك فإن المتقدم للمسابقة قد لا يجد إلا شاغراً واحد ضمن محافظته، رغم أن حديث مسؤولي الوزارة يقول إنه يمكن للمتقدم التعاقد على ثلاث رغباتٍ، وإذاً فأنتم تجبرون المتقدم الذي لا يجد أمامه إلا رغبةً واحدة ضمن محافظته أن يقبل مكرهاً بها، وهذا ما يتناقض مع تصريحاتكم التي تقول: (ويحد هذا من رغبته في الانتقال من جهة عامة إلى أخرى لاحقاً لأنه سيكون قد اختار مركز العمل بناء على رغبته). وغير ذلك، فهناك وزارات لم تعلن عن شواغر لها في المحافظات.

نعم، هناك دعم للمسرّحين بإعطائهم درجة تفضيلية عن كل سنة خدمة، ولكن إذا لم يجد المسرّح شاغراً في محافظته فماذا يفعل بدرجاتكم؟ هل يعلّقها كأوسمة الشرف على صدره مثلاً؟ وهل تنافُس مئة متقدم أو ألف على شاغر واحد أو شاغرين في مركز عمل واحد يمكن أن يسمى تكافؤ فرص؟

وهل بإمكان الوزارة ان تقدم لنا نموذجاً يحتذى به في الشفافية، وتخبرنا في آخر المسابقة كم كان عدد المتقدمين لشغل الشواغر التي تتراوح بين ٧٥-٨٠ ألف فرصة عمل في القطاع العام؟ ثم لماذا هذا الإجحاف بحق الفئة الأولى ففرصهم قليلة بالنسبة لباقي الفئات؟

وهكذا تخرج من هذه الغوغاء السوداء مقطّع الأزرار، ممزّق الثياب، متنفّساً الصعداء، وتتلمّس محفظتك لتعدّ نقودك، فقد لا تكفيك لكي تعود إلى منزلك!

 

العدد 1195 - 23/04/2026