ارفعوا الدعم.. لكن بذكاء!!
رمضان إبراهيم:
يمكننا أن نقول بقليل من التأمل إن ملف الدعم هو من أكثر الملفات الوطنية حساسيةً، فقد عمدت الحكومة الماضية والحالية إلى إعلان تلميحات متتالية بما يسببه هذا الدعم من إرهاق للخزينة واستنزاف لها، على اعتبار أن الفارق كبير بين التكلفة للمواد المدعومة وسعر المبيع للمستهلك، وربما من هنا نجد أن توقيت القرار الحكومي الجديد القاضي باستبعاد مئات ألاف الأسر من هذا الدعم قد ترك ردود فعل كثيرة وقوية ضده من المواطنين والمختصين، خاصة مع ظهور أخطاء لا تعدّ ولا تحصى في البيانات التي اعتُمد عليها في استبعاد هذا وترك ذاك!!
المتابع لما جرى خلال الأيام الماضية من ردة فعل قاسية وصلت إلى حد الغضب من قبل المواطنين بكل شرائحهم تقريباً رفضاً له واستنكاراً لعبثية الحكومة في توقيت صدوره، إضافة إلى الهجوم الكلامي غير المسبوق عليها وعلى الفريق الوزاري المعني، ما دام الكثيرون كانوا يتحدثون عن الفساد الذي خلقه ويخلقه باستمرار تطبيق الدعم بالطريقة القائمة. وما دامت نسبة المستبعدين من الدعم لا تتجاوز حتى الآن ستمئة ألف أسرة من أصل أربعة ملايين أسرة (طبعاً حسب إحصائياتهم)، فإننا نرى أن اعتراض المواطنين ومطالبة الكثير منهم بالعودة عن القرار يعود لأسباب عديدة يأتي في مقدمتها عدم قيام الحكومة بأي خطوات جادة وملموسة لمكافحة المفسدين والفاسدين الذين استغلوا وما زالوا وسيبقون يستغلون الطريقة الحالية في الدعم لمصلحتهم الشخصية، وأنها لجأت لأسهل الحلول بدل ذلك، إضافة إلى عدم إعطاء هذا الملف حقه في الدراسة المتكاملة من كل الجوانب، بمشاركة مختصين وخبراء وطنيين، وبالتالي عدم الوصول لمرحلة إقناع الناس والإعلام بما ستتخذه من قرارات جديدة في هذا المجال، وآخرها مفاجأة الشعب بتطبيق القرار فوراً قبل أن يتخذ بشكل قانوني ويعلن وتعطى مدة لمن يود الاعتراض على استبعاده قبل البدء بالتطبيق، في ظل ثبوت أخطاء لا تعد ولا تحصى في البيانات، منها استبعاد مواطنين كثر بحجة سفرهم خارج القطر وهم لم يسافروا أصلاً، بل إن بعضهم موظفون وعساكر على رأس عملهم، واستبعاد آخرين على أساس حيازتهم سجلات تجارية وبعضها مضى عليها عشرات السنين دون تجديد ودفع رسوم، واستُبعد البعض لأنه يملك سيارة سعة 1500سي سي، وجرى تصنيف العائلات الميسورة من غير الميسورة، ولم تتحقق مراعاة ذوي الشهداء والجرحى والمفقودين والموظفين.
إن توقيت إصدار القرار والبدء بتطبيقه جاء بمثابة الشعرة التي قصمت ظهر البعير، فالمواطن المنهار اقتصادياً، والذي بصعوبة يؤمّن قوت يومه، لم يكن يناسبه قرار كهذا، في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعيشها، والدخل المنخفض جداً جداً مقارنة بمتطلبات العيش عند معظم شرائح المجتمع السوري، والوضع الإنتاجي والاقتصادي الضعيف حتى عند من جرى استبعادهم، وبالتالي ستكون لتطبيق هذا القرار مفاعيل سيئة على المجتمع والإنتاج، وكذلك بسبب الاقتراب من رغيف الخبز الذي كان (خطاً أحمر) لمصلحة الجميع.
السيد طلال (عنصر في الجمارك) يقول:
قمة العيب أن تبقى هذه الحكومة يوماً واحداً، فأنا على رأس عملي منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، لكن المفاجأة كانت حسب زعم جهابذة الحكومة أنني خارج القطر منذ أكثر من عام.
هنادي (أخت شهيد) تحدثت بكثير من المرارة والألم عن استبعاد أسرة الشهيد منهل (أخوها) من الدعم بحجة وجوده خارج القطر منذ أكثر من عام.
السيد سمير قال لنا إنه قاتل لثماني سنوات على جميع الجبهات، وإنهم عندما أرادوه للخدمة الاحتياطية علموا فوراً أنه في منزله، أما عندما قرروا رفع الدعم عنه فظهر لديهم أنه خارج القطر منذ أكثر من عام!
الأستاذ فيصل (موظف) تحدث إلينا بكثير من الدهشة، فوالده الذي عمل في التجارة في الثمانينيات قد توفي في التسعينات، ومنذ ذلك الحين لم ندفع ما يترتب عل السجل التجاري، ولم نقم بتجديده، لكننا مستبعدون من الدعم، فمن هو المسؤول عن هذه المهزلة!؟
أخيراً
أنا لست مع الدعم الذي يساوي صاحب إجازة استيراد وتصدير، أو صاحب معمل أعلاف أو أدوية بمن ليس لديه عمل، لكن إلغاء الدعم يجب أن يترافق أولاً مع رفع الرواتب والأجور للعاملين وتحسين دخل ذوي الدخل المحدود بما يسمح لهم بالعيش الكريم، وتأمين إعانة مالية للمعطلين عن العمل إضافة إلى إجراءات أخرى تخلص إليها ورش عمل تخصصية يشارك فيها خبراء وطنيون تقام لهذا الغرض بإشراف الدولة.
إن ما ظهر من أخطاء يوحي بأن البلد يعيش حالة من الوهن، إذ من غير المقبول أن يكون (الداخل داخل والخارج خارج) وأن يكون خارج القطر، حسب قوائم بياناتهم، مَن استُشهد منذ خمس سنوات، فمن يتحمل مسؤولية هذا الغباء!؟